إن المدقق في الألوان التي ترد في أشعار المكفوفين سيجد أن لهم"مفاهيم عقلية، ورموزًا تعبيرية عن المعطيات البصرية يكيّفونها قدر استطاعتهم مع المعاني والمفاهيم عند المبصرين، لتكون متفقةً ومنسجمةً معهم في التعبير، كيما تنظّم تفكير المكفوف في الأمور البصرية وتوضّحه، وتجعله مشاركًا اجتماعيًا مندمجًا مع بيئته من المبصرين ( [6] ) ."
واللون في ذاكرة المعري ليس واضحًا جليًا من حيث الصفاء، كلون الحمرة أو الخضرة أو الزرقة، وسوى ذلك باستثناء الأبيض والأسود. وكان كل ما بقي له من ذكريات عهده بنور العين لونَ الثوب الأحمر الذي ألبسوه إياه في علّته، وقد أقرّ بذلك إذْ قال:
"لا أعرف من الألوان إلاّ الأحمر، لأني أُلبستُ في الجدري ثوبًا مصبوغًا بالعصفر، لا أعقل غير ذلك" ( [7] ) .
والمتتبع لألفاظ اللون في شعره يلمس صدق المعري، لأن ما تسرب من الألوان في مخيلته كان باهتًا، كما في قوله ينتقد الحكام:
الليالي مغيراتُ السجايا
قدْ غدا القومُ للنضار فنالو ... ه وبتنا ومن لنا بالزيوف
أولا يُبصرُ الفتى الذهبَ الأحمرَ ... تُحذى به نعالُ السيوف؟!
فالأحمر لم يأت مقصودًا لذاته، وإنما وُصف به الذهب، والعرب قالوا الذهب الإبريز، كما أن اللون الأحمر لم يأتِ إلاّ بعد لفظ الليالي الموحي بالسواد، وأن للنضار لونًا تقدّم على الذهب الأحمر. ... ترمي بكل شرارة كطراف
وفي تفسير (جار الله الزمخشري) في (الكشاف) لآيتي سورة المرسلات:
"إنها ترمي بشررٍ كالقصر، كأنه جمالاتٌ صُفر"ذكرَ بيت أبي العلاء في (سقط الزند)
حمراء ساطعة الذوائب في الدجى
ثم عقّب عليه عائبًا عليه مبالغته وادّعاءه بما نصه: ... نُلاقي بها سودَ الخطوب وحمرَها