وهذه (الألوان والأشكال والأصوات والإيحاءات) عمل المعري الفنان على إظهارها، وقد فتح بها أعيننا وأسماعنا وأخيلتنا على عالمه الإبداعي، بحيث أصبح لما ترك لنا من آثار شعرية ونثرية معانٍ حقيقية، أكثر من تلك البيئة الواقعية التي عاش فيها، ونتابع -نحن- العيش فيها ونتنسم هواءها. وما الليل والنهار والظلمة والنور، التي ترددت كثيرًا في آثار المعري، إلا رموزٌ لها دلالات، وتمتاز بأنها أكثر نقاءً ودقةً وتركيزًا من الأشياء التي نراها بالعين الخبيرة بما ألفت النظر إليه واعتادته.
فأشخاص رسالة الغفران أكثر إلحاحًا ووضوحًا في وجوههم من هؤلاء الأشخاص الذين نقابلهم في اتصالاتنا العاجلة.
لقد اهتدى (برغسون) إلى شيءٍ من ذلك حين قال:"إن بصيرة الشاعر أدقُّ في كشفها عن الحقائق من تحليل الميتافيزيقي. وهذا ما عناه (كروتشي) حين أصرَّ على أن كل وظيفةِ الفن تنحصر في كلمة (بصيرة) ، وقد يملأ فيلسوف مجلدًا بحديثه عن الخلود، غير أن بيتًا من قصيدة من أشعار" ( [3] ) المعري قد يضعنا في حضرة الشيء الجميل مباشرة. نظرًا، لما للضوء واللون من معانٍ حية، وما تخلقه من قوى تصويرية في مخيلة الفرد وخواطره. كما أن اللفظ الأدبي يضفي على معاني الضوء واللون"غموضًا محببًا شفيفًا، وسحرًا خلابًا. إذْ يموّه المعاني في رمزيةٍ لطيفةٍ إن احتاج الهدف إلى تمويه" ( [4] ) .
والشاعر الأعمى الذي كُفَّ بصره قبل الخامسة يصعب عليه استرجاع مدلولات الألوان باستثناء أصحاب المخيّلة المتسعة ممن يتمتعون بمدارك متفوقه، وحساسيات مرهفة.
وأبو العلاء واحد من هؤلاء المبدعين، بل إنه الفريد في إبداعه وذكائه"قد اعتلّ في سنته الرابعة علّة الجدري، فما أبلّ منها إلاّ بعد أن شوّهت وجهه بندوبٍ لا بُرءَ منها، وذهبت ببصره مسدلةً بينه وبين الدنيا حجابًا كثيفًا، حالك السواد، فما انجاب حتى آخر العمر" ( [5] ) .