وعاهة فَقْدِ البصر محنة يُمتَحن بها الإنسانُ، الذي ما يفتأ يبتدع السبل والوسائل لقهرها، وتجاوز الليل الدامس الذي يغشي عالمه، وذلك بتدريب الحواس الأخرى على ما يمكن أن يعوّض الحاسة المفقودة، ويتفوق بها على المبصرين، فتنمو الملكات، وترهف المواهب والقدرات، بما يؤدي إلى التميّز والإبداع"أو الاختراع، فيما يقيم [الأعمى] جهده عليه والتفرّد أو التميّز فيما يظهر على الناس به، وبدرْبة ذكائه، وقوة ذاكرته، ودقّة ملاحظاته، وبراعة استنباطاته، ووفرة مخزونه ومحفوظه، مما يُخلّد ذكرَه، ويُعظّم أمرَه، ويجعلُ منه في دنيا الشهرة بؤرة إشعاعٍ ومضاء، ومنبرًا لا تلجمه الأهواء، وصدق ابن عباس فيما أنشد له الجاحظ ( [1] ) :"
إنْ يأخذِ اللهُ من عينيّ نورَهما
قلبي ذكيّ، وعقلي غيرُ ذي دَغَلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ ( [2] )
إن مقولة (ففي لساني وسمعي منهما نورُ) تعيدنا إلى (العين) ، مصدرِ الرؤية، ووسيلةِ تغذيةِ العقل والفكر بالمرئيات، والتي ينعم بها المبصر، إذْ تتحوّل عند فاقد البصر إلى ذكاء إنساني، يقوم بدوره التخييلي في الوجدان، فيعيد تشكيل الأشياء المدركة فوق مسرح الطبيعة، ويحركها بشفافيةٍ إبداعيةٍ لتحقيق أهدافٍ إنسانية. ... كم جعلن الزيفان شربَ عيوف
والخيال يجنح إلى ما يسمى (الفن الجميل) أو (الفن الخالص) ، كأن يتخيل الإنسان عالمًا جديدًا لا يعهده البشر، وقد انطلق أبو العلاء المعري إلى عوالم سحرية في رسالة الغفران، تُغذّي (عين الجسد) و (عين الروح) ، وتدفع الخيال للحركة والمتعة والبهجة، وتحقّق نفعي السحر والفتنة الخالصة، وهذه القيمة لا تُحسب على أساس المنفعة التي تجنيها، وإنما على أساس ما تنتجه من رضى حسيّ وتخيليّ مباشر، ومن حيث كونُها ألوانًا وأشكالًا وأصوات وإيحاءات.