إذا كان الإمام محمد عبده يعتقد أن السياسة تضطهد الفكر والدين والعلم، ولذلك فهو يستعيذ بالله من السياسة ومن لفظ السياسة، ومن معنى السياسة، ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة... ومن كل شخص يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل في السياسة (21) لأنه كان يعتبر السياسة أسّ مصائب الشرق. فإن الزهراوي على النقيض تمامًا، كان يرى"أن النوع الإنساني لم يتيسر له قطع المراحل في التكمل إلا على يد السياسة، وأن المبتلين بعشق الإصلاح لابد لهم من مددها. إن ما يطلبونه للإنسانية، قل أن يكون ملقى على أبوابهم، يربحونه لها وهم مستريحون" (22) .
فالسياسة عنده طريق التمدن، والعمل السياسي هو الذي يؤدي إلى نيل الحقوق والتقدم على طريق الإصلاح. لذلك فهو يلح على أهمية التوعية السياسية أو (التربية السياسية) كما كان يسميها، ويحاول على طريقها خلق رأي عام مستنير يؤمن بالحرية والعدالة والمساواة، ويتخذ من النظام النيابي والدستور منهاجًا وحيدًا للإصلاح، وللتخلص من كل سيئات الماضي وخطيئاته. فالسياسة"كانت من أعظم ما احتاج إليه هؤلاء البشر في أدوار أطوارهم، وأطوار أدوارهم. فإننا كما نرى للتآلف أسبابًا وآثارًا طبيعية، نرى للتنافر أسبابًا وآثارًا طبيعية أيضًا. فالإنسان مضطر بين هذه وتلك، إلى مدافعة أسباب التناصر وآثاره بين المتآلقين والأخذ بأسباب التآلف بين المتنافرين، وهذا هو أصل السياسة" (23) فالسياسة"تعلم ِأسباب التعاون ووسائله إذا جهلت، وهي التي تذكر بها إذا نسيت، وهي التي تنير طرقها إذا عميت. وهي تنعش الآمال، وهي التي تطبب الضعف، وتتعهد مغارس القوة" (24) .