لم يكن السجع وحده موجبًا لانتقال بديع الزمان باسم مدينة بغداد من اسمها المشهور عند العامة إلى اسمها المشهور عند الخاصة من علماء العربية ( دار السلام ) بل كان ذلك يبغي مراعاة التناسب بين الشخصية ولغتها. فعيسى بن هشام العربي في ذوقه وحركته في هذه المقامة لابد أن يأخذ بمذهب الأصمعي الذي كان يكره أن يسميها بغداد ، ذلك أن معناها بالفارسية القديمة: هدية الصنم، أو عطية الصنم، وكان الأصمعي يسميها دار السلام أي دار الله (28) . فالانتقال طبيعي مناسب للشخصية وللموقف، وليس تكلفًا وافتعالًا كما قد يظن. فالسجع هنا موظف لصالح النص بنية وفكرة وموقفًا وإيقاعًا أو موسيقى داخلية على لغة الثقافة الوافدة. وصاحبه متأثر على نحو عميق بالفاصلة القرآنية وتمكنها، فهو ذو وظيفة جمالية، وأخرى معنوية.
وكذلك الجناس الناقص الموجود بين لفظي سلام وحرام، لاتفاقهما في أكثر أصوات الكلمة أو حروفها. مما يحقق انسجامًا صوتيًا، ويومئ إلى انسجام في المعاني على خلاف في توجه الدلالة، بين البلد الحرام ودار السلام، مما يعيدنا إلى فكرة التوازن المعنوي، في التشكيل المكاني، وأبعاده النفسية والروحية، ذلك أن البلد الحرام عاصمة الروح وسلم معراجها إلى السماء، ولك أن تتصور مقدار الخوف والشعور بالرقابة بكلمة الحرام التي تعني الممنوع، والرهبة من الله، ولك أن تستشعر معاني الذل والانكسار عند الناس الذين قصدوا البيت الحرام ليرموا أثقالهم فيه بالاعتراف لله، والتذلل والخضوع، وإظهار أعلى درجات المذلة والمسكنة والخجل مما أحدثه الإنسان بسقوطه عن منهج الحق وطرائقه.