وأما البديع في المقامة فحسبك قراءة جملته الأولى:"بينا أنا بمدينة السلام، قافلًا من البلد الحرام"ففي هذه الجملة لفظان هما السلام والحرام، وتخلصًا من شعورك بثقل اللام الشمسية وخفة اللام القمرية، نجعلهما سلام وحرام ، وهما بالميزان الصرفي على وزن فعال، وهي صيغة تدل في أصل وضعها على الحركة، وفي السلام والحرام حركتان للروح أحدهما السلام وهي الأمان، والأخرى الحرام الحاملة معاني الخوف وعدم الشعور بالأمان. وهما صورتان توحيان بحركة النفس والعقل والقلب لكن إلى جهتين مختلفتين في السمت والرغبة، واحدة تسعى إلى الله راهبة من عذابه، والأخرى تسعى إلى الله راغبة في دنياها غافلة عما يلقاها بعد ساعتها الحاضرة، وذاك التوافق في الميزان الصرفي يسميه أهل البديع التوازن، وهو هنا توازن بين حاجات الدنيا وحاجات الآخرة باختلاف درجة السعي نحوهما باختلاف الساعين أنفسهم، فوق توافقهما في الميزان الصرفي.
وهما أيضًا لفظان يتفقان بالحرف الأخير، وهو الميم، فلهما توقيع في الأذن وجرس وموسيقى داخلية تنبه على وحدة للحركة في المكان من مكة إلى مبلغ الغاية دار السلام، ولما أراد الانتقال إلى وصف حاله عند دخوله دار السلام غَيَّرَ الإيقاع، فتحول من الميم إلى الهاء عند السكت أو التاء المربوطة عند الوصل، فكان تغير السجع مؤذنًا بتغير الفكرة من جهة حركة المعنى الجزئية الموضحة لأطوار الفكرة الكلية الخاضعة لقصدها الكلي من بناء المقامة.