والجذور عند الشخصيتين حاضرة غائبة، كحضورهما وغيابهما. فما أعجب هذه الشخصيات في المقامات كلها على ما توحي به أسماؤها، وليس ذلك موقوفًا على هذه المقامة وحدها.
وسأوجز دراسة لغة المقامة بإشارة صغيرة إلى أساليبها البيانية، ولغتها البديعية التي زين بها البديع مقاماته عامة ومقامته القردية خاصة.
أما أساليبه البيانية فنتخير بعض تشبيهاته، وبعض مجاز أساليبه، كقوله: أميس ميس الرجلة على شاطئ الدجلة، ورقصت رقص المحرَّج، وسرت سير الأعرج. وكلها تشبيهات حذفت منها أداة التشبيه لتؤكد وقوع النسبة الإسنادية حقيقة مطلقة الوقوع على النسبة الموضوعة. وحذف منها وجه الشبه لتدل على الإجمال والإيجاز، وترك للفسحة لخيال المتلقي في رسم التفاصيل من خبرته السابقة. والتشبيهات توحي بالضيق، وتصوير الهيئة والحال، وتربط وجه بالمتعدد من هيئة المشبه به، لأته ساق ذلك على جهة التمثيل، ولك أن تربط هيئته مرة بهيئة البقلة على شاطئ دجلة، وبالكلب المطوق، وبالإنسان الأعرج في موطن الزحام.. وهي تشبيهات تدور حول الراوي. لكن الجماعة لم يشغلها الزحام عن الفرجة ومشاهدة القرد والقراد، فذهب الراوي يشاركها، ويصورها حية بالأفعال متخذًا المجاز العقلي وسيلة فنية تنقذ العمل من المباشرة إلى الحسية إلى المكونات العقلية المشتبكة بالقوة الخيالية، وذلك بقوله:
يلوي الطرب أعناقهم، ويشق الضحك أشداقهم، فساقني الحرص إلى ماساقهم. وانتفض المجلس عن أهله، وقد كساني الدهش حلته.
فالطرب سلطان يلوي الأعناق، والضحك سيف يشق الأشداق، والحرص راعٍ يسوق رعيته، والمجلس طائر مببل ينتفض عن بلله أي أهله، والدهش أمير على الراوي يكسوة حلةً. والمكان إنسان يتفل في حلق الراوي فيخجل من فعلته.
فالراوي أحاط موقفه بالتشبيهات على الأغلب، واحاط الجماعة بالمجاز العقلي، وحاول الهروب من جمعهم ليربطهم بجهات نفسية وحسية، لكنه لم ينفصل من قوة القطيع ولا سلطانه.