هذه الصورة للبلد الحرام ببعض أبعادها النفسية والروحية والجسدية اختصرها لك المؤلف وجعلها جزءًا من ماضي رحلته، وأسدل الستار عليها وجعلها جزءًا مما مضى، وترك لآثارها أن تسير إلى الله مستورة؛ ليبين لك حركة أخرى تردك إلى الصورة المقابلة ليكون الحاضر الذي يحياه موازنًا للماضي القريب الذي تعداه، فمكة عاصمة الروح والقلب والصعود إلى أعلى، وبغداد عاصمة الطرب والضحك والقوة، مما يجعل مكة متوجهة بهموم الإنسان إلى السماء، ويصور دار السلام على أنها دار الله التي يشعر فيها الناس بأمان الدنيا وسلطانها، كأنهم ليس وراءهم دار أخرى يحاسبون فيها. فهي دار العظمة يظن خدامُّها أنهم مالكوها فيتصرفون من غير اكتراث لصوت يعترض، وينغمسون في ملذاتها، ويضيعون أوقاتهم لا يهتمون لعدو ولا ينصتون لمصلح، فكأنهما داران واحدة لله تتطلع للعفو و نعيم الآخرة، والأخرى للناس تتطلع إلى الدنيا ونعيمها وأمنها وسلطانها، ولا تكاد ترجو حسابًا أو تخاف عقابًا، منغمسة باللحظة الحاضرة غير عابئة باللحظة الماضية أو القادمة، فكأنها جنة المأوى.
إنه بناء متوازن بين حالين ومكانين ونظرتين، على نحو يدمج الفكرة بالبناء، والبناء بالفكرة، إلى حد التجانس والإدهاش من فطنة المؤلف وحضوره في نصه، وقدرته على تكثيف المواقف وشد الصنعة إلى حد دمجها بالمادة المعروضة لغة وحكاية وجمالًا، مما يكسر أقوال المدعين بانفصال الفكرة عن البناء، والجمال المحيط بها وفيها، وهذه النتيجة عامة يراد بها خاص هو هذه المقامة، ولا تنطبق على كثير من المقامات.
المصادر والمراجع:
1.أخلاق الوزيرين، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق: محمد بن تاويت الطنجي،بيروت -دار صادر،1992م.
2.الأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني علي بن الحسين، بيروت - مؤسسة جمال عبد الناصر للطباعة والنشر ، [ د.ت ] .