ومثل هذا الكلام يقال أيضًا فيما سمّاه عدد من المعاصرين"مدرسة الكوفة"أو"مدرسة بغداد"، فالنحو العربي لم يعرف سوى مدرسة واحدة، وهي مدرسة البصرة، وأمّا الخلافات بين النحاة فهي خلافات ليست في الأصول؛ بل في الفروع، وهي في أحسن حالاتها يمكن عدّها مذاهب في النحو، فيقال: مذهب الكوفيين كذا، ومذهب البغداديين كذا، ودفعًا لهذا الإشكال فإن بعض المعاصرين مثل د. البدراوي زهران رأى أنَّ هذه النسبة تقوم على أسس مكانية (21) ، فنحاة الكوفة هم أولئك الذين كانوا فيها، ونحاة بغداد كذلك.
وهذا ما يفسّر لنا أيضًا أنَّ بعض مَنْ ترجموا للكسائي سمّوه بالبغدادي، فقد تكلّم صاحب"إنباه الرواة"على رحلة الأخفش إلى بغداد فساق ما نصُّه:"فلما دخل إلى شاطئ البصرة وجَّه إليَّ فجئته فعرّفني خبره مع البغدادي" (22) .
وأكبر الظن أن تسمية الكسائي بالبغدادي يقصد به نسبة الكسائي إلى المكان الذي عاش فيه وهو بغداد، ولا يعني طبعًا أن الكسائي ينتمي إلى المذهب البغدادي.
ولا بد من الإشارة أخيرًا إلى أن الذين درسوا جهود كبار أعلام الأندلس كأبي حيان الأندلسي -وهي دراسات كثيرة كما هو معروف- لم يقولوا إن أبا حيان قد انتمى إلى مدرسة الأندلس؛ بل قيل: إنه كان يختار من آراء الكوفيين والبصريين، وإن السمة الفاشية في مصنفاته هي سمة بصرية.
فإن قيل ذلك في أشهر أعلامهم فهذا يؤكد أن النحو العربي لم يعرف مثل هذه المدرسة في تاريخه، ولو وجدت مدرسة الأندلس لكان أبو حيان من كبار أعلامها.
خاتمة البحث:
-عدّ د. شوقي ضيف بداية النشاط النحوي في الأندلس سواء أكان ذلك في إدخال كتب النحويين، أم القراءات -كقراءة وَرْش المصري- أم كتاب سيبويه وتدارسه مع طلبة العلم، أم تدوين المصنفات النحوية- البذرة الأولى في إرساء المدرسة الأندلسية في النحو، وهذه الجهود لم ترق إلى تأسيس تلك المدرسة المزعومة؛ بل إنها لا تعدّ مقدّمة لها.