ومما يؤذن ببطلانها أيضًا أن النحاة الذين تحدّثوا عن تلك العلل في مصنفاتهم، لم يضعوا هذه المصنفات لصغار المتعلمين، أو للطلبة الذين ليس لديهم كبير زاد في علم العربية؛ بل وضعوها لمن كان له حظّ وافر من اللغة والنحو.
ولو سلّمنا بأن ما جاء به ابن مضاء يعدّ ثورة على النحو والنحاة، فهل نطيق إذا ذاك أن نجعل من الرجل وتفكيره مدرسة بعينها، أو نحكم على جهود العلماء في الأندلس الذين أشار إليهم د. شوقي ضيف بأنها تكوّن مدرسة الأندلس النحوية؟.
لا جرمَ أنَّ ما جاء به علماء الأندلس في النحو لا يصل إلى حدّ يجعل لهم مدرسة خاصة بهم، والعلّة في ذلك بيّنة؛ لأنه لو كانت لهم مثل هذه المدرسة فهذا يعني أنَّ لها معالمَ واضحة من حيث الأصول النحوية والمنهج والمصطلح، وهذا كلّه لا يتوافر لدارس جهود أولئك النحاة؛ لأن بعضهم -كما رأينا- كان له الفضل في إدخال كتب الكوفيين إلى الأندلس، أو إدخال قراءة وَرْش المصري، أو كتاب سيبويه والعناية به و تدارسه هناك مع طلبة العلم، ومن ثَمَّ تدوين المصنّفات في النحو واللغة، وهذه المصنفات لم يخرج أصحابها عن متابعة بعضهم لآراء البصريين، على حين تابع آخرون آراء الكوفيين، بينما اختار فريق ثالث من آراء هؤلاء وهؤلاء، وتفرد بعض النحاة بآراء لم يسبقوا إليها، واعتنى آخرون بالعلل الأولى، ثم طلبوا العلل الثواني والثوالث- كما كان لدى الأعلم الشنتمري مثلًا- بينما دعا بعضهم- كابن مضاء- إلى نسف هذه العلل من جذورها، وحذف أبواب من النحو، أو إلغاء القياس.
إنَّ كل الجهود النقدية التي أشير إليها آنفًا لم يكن لها كبير أثر في الأصول النحوية أو منهج النحو العربي، أو حتى في المصطلح النحوي، وهي في مجموعها لا تؤلف مدرسة خاصة، تتميّز بها عن مدرسة البصرة.