فهرس الكتاب

الصفحة 19901 من 23694

وواضح أن العلّة الأولى التي تصوّر الحكم النحوي هي العلّة التي يحتاجها متعلّم النحو حتى يقف على الحكم الإعرابي للفاعل، أما العلتان الثانية والثالثة ففرضيتان تقومان على مطلق الظن والتخمين، ولا ضرورة لهما في تعلّم النحو؛ بل هما تزيّد لا جدوى منه، ولا فائدة تنفع في النطق بالعربية.

يقول د. ضيف معقبًا على ذلك:"وابن مضاء محقّ كل الحقّ في ثورته على هذه العلل الثواني والثوالث، ودعوته إلى إلغائها جملة من كتب النحو؛ لأنها لا تفيد سوى التخيل والفرض العقلي البعيد دون أي تصحيح للنطق، وما يتصل بالنطق، ومع ذلك تجادل فيها النحاة طويلًا، وألفوا فيها كتبًا مستقلة، وليس وراءها أي نفع أو طائل نحوي" (20) .

والواقع أنّ دعوة ابن مضاء لإلغاء العلل الثواني والثوالث من النحو، ليس لها كبير أثر يقدّم أو يؤخّر في النحو العربي؛ لأنّ البحث عن هذه العلل لم يكن عند جميع النحاة، بل كان عند بعضهم، وهم نفر قليل إذا ما قيسوا بالنحاة العرب منذ قبل سيبويه إلى القرون المتأخرة، فهل تتبع بعض النحاة للعلل الثواني والثوالث يجعلنا نعمم الحكم في أنَّ جميع النحاة قد ساروا على ذلك النهج، ثم نصل بعدئذٍ إلى نتيجة تقضي بحذف بعض أبواب النحو، أو نلغي مثل هذه العلل جملة وتفصيلًا.

إنَّ أحدًا لا يملك نسخ هذه العلل الثواني والثوالث من كتب النحاة، لأنَّ ذلك أصل من أصول التراث العظيم، وهذا التراث بكل ما فيه هو ملك الأمة عبر القرون المتتابعة، وأمّا تمييز الجيد من الغثّ فهو متروك للزمن وللأجيال المتعاقبة [أما الزبدُ فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناسَ فيمكثُ في الأرض] .

فإن احتجّ محتجّ بأن هذه العلل يجب إلغاؤها من كتب النحو؛ ليسهل النحو على الدارسين، فالجواب أن هذه الدعوة لا تستقيم أيضًا؛ لأنَّ المصنفات النحوية التي وُضِعَتْ للطلبة تخلو من الكلام على مثل هذه العلل، وهذا وحده يؤذن ببطلان تلك الدعوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت