وللإجابة عن هذا يقال: إنه لو سُلّم بأن ابن مضاء قد كان له نظرات في النحو -ربما لم يسبق إليها- أو أن دعوته تلك كانت ثورة على النحو والنحاة كما يسميها د. شوقي ضيف (19) كما في دعوته التي أشير إليها من حذف أبواب من النحو لتقدير عوامل ليس لها من داع في رأيه، فإن هذه الدعوات جميعًا لا ترقى إلى مستوى الانتظام في مدرسة نحوية جديدة، ولو صحّ هذا لقال قائل: إن الأخفش الأوسط كان له كثير من الآراء التي خالف فيها أصحابه البصريين؛ بل كان فيها على طرفي نقيض معهم، فهل يصحّ والحالة هذه أن نجعل الأخفش بناء على هاتيك الآراء صاحب فكر نحوي جديد؟
إنَّ أحدًا لم يقل بذلك، بل إن آراءه تلك لم تخرجْه عن كونه بصريًا؛ لأن ما جاء به الأخفش لا يعدو أن يكون مجرّد آراء خالف فيها أصحابه، وهذه الآراء مجتمعة في أعلى درجاتها يمكن أن تعدّ مذهبًا في النحو ليس غير.
فإن قيل: إنّ دعوة ابن مضاء لم تقتصر على حذف بعض أبواب النحو؛ بل دعا أيضًا إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث من النحو وإلى إلغاء القياس، فقد ارتضى إبقاء العلل الأولى التعليمية التي تفيد الحكم النحوي، ورفض ما عداها، وقد مثّل للعلّة الأولى يقول النحاة: إنّ كل فاعل مرفوع، وهي علّة توضّح أن حكم الفاعل الرفع، ولا بأس بها؛ بل لعلّها ضرورية، غير أن النحاة لا يكتفون بها، ويأتون بعلّة ثانية لبيان السبب في رفع الفاعل، فيقولون: إنه رُفِعَ للفرق بينه و بين المفعول، ولا يكتفون بهذه العلّة الثانية، إذ يأتون بعلّة ثالثة لبيان السبب في أنّ الفاعل رفع ولم يُنصب، وكان ينبغي أن يُعكسَ الحكم الإعرابي، فينصبَ الفاعل، ويرفع المفعول، حينئذٍ يُدلون بالعلّة الثالثة قائلين: إن الفاعل رفع؛ لأنه قليل، ونصب المفعول لأنه كثير، ولما كان الرفع ثقيلًا والنصب خفيفًا أعطي الثقيل للقليل، وأعطي الخفيف الكثير، ليتم التوازن.