-إن مخالطة نحاة الأندلس لجميع النحاة السابقين لهم في المشرق، من بصريين وكوفيين، وانتهاجهم نهج الاختيار من آراء الكوفة والبصرة، وإضافتهم إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين لا يمكن أن يُنعت بأنه يؤلّف مدرسة نحوية مستقلة؛ لأنهم اختاروا من آراء النحاة السابقين لهم ما راقهم، دون أن يتعصبوا لهذا أو ذاك، ثم إنَّ هذا الاصطفاء حدث قديمًا وما يزال، ولو قال الناس في كل عصر إنَّ هذا الاختيار يشكّل نحوًا جديدًا أو مدرسة جديدة فهذا يعني أن النحو العربي سيغدو له في كل عصر مدارس لا حصر لها، ولو كان ذلك في القرون الغابرة لما وصلنا النحو العربي على هذه الصورة التي استقرت في ذهن العربي إن كان في المشرق أو في المغرب.
-إنّ جعل الأعلم الشنتمري هو أوّل مَنْ نهج لنحاة الأندلس الكلامَ على الأحكام النحوية بالعلل الأولى، وطلب العلّة الثانية أو الثالثة لا يُظهر هذا نحوًا متميّزًا عرفه الأندلسيون دون غيرهم؛ لأن البحث في العلل النحوية قد استفاض في الكلام عليه غير ما عالم، كالزجاجي في (الإيضاح في علل النحو) وأبي البركات وبن الأنباري في (أسرار العربية) وغيرهما، ومثل هذا لا يؤلّف نحوًا جديدًا، أو بذورًا لمدرسة جديدة.
-إنّ ما جاء به ابن مضاء القرطبي في نقض فكرة العوامل المحذوفة، سواء أكان ذلك في أسلوب الاستفهام، أم الاشتغال، أم تعليق شبه الجملة حين تقع خبرًا أو صلة أو صفة أو حالًا، يعدّ في باب الخلاف النحوي؛ ذلك أنّ النحاة اختلفوا في تقدير المحذوف، وهذا لا يمكن أن يكون في جهود مدرسة الأندلس؛ لأن ابن مضاء يلغي فكرة العامل المقدّر نهائيًا تبعًا لمذهبه الظاهري الذي حاول أن يطبقه على النحو العربي، فلاقى هذا المذهب القبول عند بعضهم، على أنّ الكثير من أهل العلم ردّوا آراءه، ولكنّ أحدًا من معاصريه أو ممن تلاهم لم يقل عن أفكار ابن مضاء إنها مدرسة جديدة.