ولعل ما عرف به ابن عساكر من زهد وتقشف وانصراف عن متاع الدنيا جعله يحسن انتقاء أخبار العابدات الزاهدات، ويجعلنا نصغي إلى مواعظهن وأقوالهن ونحن نحس بمتعة روحية، ورياضة نفسية يتغلب بها فينا المعنى الإنساني على القالب المادي فننسى متاعب الحياة وهمومها، ونسخر كما سخرن من قشورها ومظاهرها. ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن عساكر في أخبار أم الدرداء، قال:"عن أم الدرداء أن رجلًا أتاها فقال لها: إنه قد نال منك رجل عند عبد الملك، فقالت: إن مؤبن بما ليس فينا فطالما زكينا بما ليس فينا". وقال:"عوتبت أم الدرداء، في شيء، فقيل لها: لِمَ فعلت كذا وكذا؟ قالت: نقص الناس فنقصت كما نقصوا!". وروى"عن إسماعيل بن عبيد الله قال: قالت لي أم الدرداء: يا بني، ما يقول الناس في الحارث الكذاب؟ قال إسماعيل: يا أمة، يزعمون أنك قد بايعته! قال: فلم تسل أم الدرداء من الذي قال لئلا يكون في صدرها غل على أحد".
وإنما ذكرت هذه الأمثلة لأبين للقارئ الكريم معنى الصوفية كما فهمها الإنسان المسلم، إنها التسامح، والمحبة، والتواضع.. إلى غيرها من الصفات الكريمة التي جاء بها القرآن، وحث عليها الرسول، صلى الله عليه وسلم. ومثل هذه الأقوال التي تأخذ بمجامع القلوب نجده مبثوثًا متفرقًا في أخبار عدد من الصوفيات اللواتي فهمن الطاعة بمعناها الحقيقي، وقدرن أبعاد خطواتهن في هذه الحياة (11) .
ولكن حب الاستقصاء قد يطغى في كثير من الأحيان على حسن الانتقاء، فنجد في أخبار هؤلاء النسوة ما يدعو إلى الابتسام لأنه تجاوز حد المعقول، وبالغ في البعد عن الواقع.