وقد نظن ونحن نقرأ تراجم قريبات المصنف-"زوجته، زوج أخيه، ابنة خالته- أن مثل هؤلاء ليس في خبرهن ما يهم المؤرخ الباحث من قريب أو بعيد، وأنهن لو لم يكن قريباته لما ورد لهن ذكر في التاريخ (5) . ولكن خطأنا هذا يتبين حين نتذكر رغبة المصنف في الاستقصاء؛ فهو يدخل في تاريخه كل اللواتي لهن ذكر ممن وردن دمشق، أو اجتزن بها، أو كن من ساكناتها. وأي ذكر أفضل من رواية الحديث، وسماع الكتب الصحيحة؟!"
ولكن رغبة المصنف في الاستقصاء قد تدعونا إلى العجب حين نقرأ ترجمة"آمنة ذات الذنب" (6) ، وكأن المصنف حين ساق خبر هذه المرأة ما كان يريد إلا أن يلون في عرض الأخبار، أو أن نزعة جاحظية ألمت به فجعلته لا يروي خبر هذه المرأة في ترجمتها فقط بل يعيده من طريقه مرة أخرى (7) ، مما يؤكد لنا حرصه على هذا النوع من الأخبار، وأنه كان يقصد إلى ذلك قصدًا.
وقد احتفى ابن عساكر أيما احتفاء بأخبار المتصوفات ولملم أقوالهن، وتحدث عن تقشفهن وزهدهن، وفضلهن في ذلك على كثير من بليغات العرب، ومن عرفن بالجرأة والفصاحة (8) . وبعض هؤلاء الزاهدات كن شيخات له (9) ، أو ممن حدثه عنهن شيوخه (10) .