وفي أخبار النسوة القرشيات سواءكن زوجات لبني أمية أم لغيرهم، صورة صادقة للحياة السياسية والاجتماعية في ذلك العصر، نجد فيها وضع المرأة الاجتماعي وعلاقتها بالرجل. وجرأتها في الدفاع عن حقها، والحفاظ على ما في يدها، واستقلالها في تصريف شؤونها، ومشاركتها في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية، وهذا لا ينطبق على القرشيات فقط، ولكننا نجد نماذج له في أخبار كل النساء الحرائر. وما أكثر النسوة اللواتي جئن إلى معاوية يرفعن إليه مظالمهن، ويطلبن إليه العدل. وكم من امرأة كانت في جيش عليّ تحرض على القتال حتى إذا تبدل الحال، وعلا معاوية عرش الخلافة استدعى من شاء منهن مكرمات ليستعيد أقوالهن، وليسمع رأيهن فيه وفي سلفه. ومهما كانت هناك من مبالغات في أقوالهن، وأخبار جرأتهن وفصاحتهن فإن تلك الأقوال والأخبار تؤكد لنا أن المرأة كانت تؤلف فعلًا نصف المجتمع، وأنها عاشت حياتها كاملة، ولعبت في الحياة السياسية والاجتماعية دورًا كبيرًا لا يقل عن دور الرجل، حتى أننا نجد الواحدة منهن تتجشم عناء السفر، لتدخل على معاوية في شأن من الشؤون، وحين يذكرها بمناصرتها لعلي لا نجدها مضطرة إلى كلمة نفاق واحدة، بل إنها تبدي رأيها بكل قوة وجرأة، أهو تسامح الخليفة، أم شجاعة المرأة، أم أنها الفطرة السليمة، والتربية الإسلامية الصادقة؟ وأجدني مضطرة إلى أن أقتطع نتفة من خبر أم البراء (12) بنت صفوان مع معاوية علّ ما فيه من طرافة يكون حافزًا على مراجعة الخبر بتمامه.