ولكي يدل على فساد تلك النظرية أورد ما ترتّب عليها في الصيغة العربية من عوامل محذوفة، إمّا لعلم المخاطب بها، كما يقول النحاة في مثل: من جاء؟ فيقال: زيدٌ، ويقدّرون أن أصل الجواب: جاء زيد، وإمّا لمجرد الافتراض، كتقدير النحاة في مثل: الكتابَ قرأته، أنّ"الكتاب"مفعول به لفعل محذوف، وأصل الجملة: قرأت الكتابَ قرأته، وإمّا لما هو أبعد من ذلك في الافتراض والتخيّل، إذ يقدّرون في مثل: يا عبدَ اللهِ، إن المنادى مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: أدعو عبد الله، وهو افتراض أشدّ عنتًا من الافتراض في الجملة السالفة.
ويبيّن ابن مضاء فساد كل هذه التقديرات، وما تجرّ إليه من زيادة ألفاظ على الذكر الحكيم حين يفترض النحاة في صيغه عوامل محذوفة؛ إذ يزيدون عليه ما ليس منه، دون حجة أو دليل، وسرعان ما نفذ من ذلك إلى إلغاء ما تصوّره النحاة من متعلّق للجار والمجرور حين يقعان أخبارًا أو صلات أو صفات أو أحوالًا في مثل: القلمُ على المكتب، رأيْت مَنْ في الغرفة، التقيت بطالب في الفصل، قابلتُ عليًا في المكتبة؛ إذ يقدرون متعلقات محذوفة في هذه الجمل، وهي على الترتيب: مستقر، استقرّ، كائن، كائنًا، ويقول ابن مضاء: إن هذا كلّه تمحّل؛ لأن الكلام قام بدونه، ولا يُحتاج إليه، وحريّ أن نرفضه ونرفض معه نظرية العامل التي تمدّنا بمثل هذه التقديرات الافتراضية التي لا تمرّ بذهن المتكلم (17) .