فهرس الكتاب

الصفحة 19894 من 23694

ثم يسوق بعدئذٍ د. ضيف قولًا لابن مضاء عن الأعلم، ونصّه:"وكان الأعلم -رحمه الله- على بصره بالنحو مولعًا بهذه العلل الثواني، ويرى أنه إذا استنبط منها شيئًا فقد ظفر بطائل" (11) .

وما ذكره د. شوقي ضيف فيه نظر، فهو يزعم أنَّ نحاة الأندلس قد خالطوا جميع النحاة السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، وأنهم انتهجوا نهج الكوفيين والبغداديين من الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة، وأنهم أضافوا إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين -أبي علي الفارسي وابن جني خاصة-.

ولو سلّمنا بصحة هذا الكلام فإنّ هذا الذي صنعه نحاة الأندلس لا يشكّل مدرسة أندلسية قائمة بنفسها؛ لأنّ عملهم كان في الاختيار من آراء الكوفيين والبصريين والبغداديين، ومثل هذا الاختيار من آراء العلماء لا يمكن أن يُنعت بأنه يؤلّف مدرسة نحوية مستقلة؛ لأن نحاة الأندلس اختاروا من آراء السابقين ما راقهم، دون أدنى تعصّب لهذا أو لذاك، إذ نظروا فيما وصلهم من آراء النحاة نظر البصير المتفحّص، وأخذوا منها ما يناسبهم.

ثم إنّ السؤال الذي يفرض نفسه ههنا: هل يصحّ لنفر من النحاة في أيّ زمن أن ينظروا في آراء السابقين لهم فيختاروا منها، ثم يقولوا بعدئذٍ: هذا نحو جديد، وهذه مدرسة جديدة في النحو؟!

لا جرم أنّ مثل هذا الصنيع لن يلقى القبول عند الناس في أيّ زمن؛ لأنه إن اعتد بمثل هذا وأُخذ به فهذا يعني أنّ النحو العربي سيغدو له في كل عصر مدارس كثيرة؛ لكل واحدة منها منهج وأسس ومصطلحات خاصة، ولو كان هذا في القرون الغابرة لما وصلنا النحو العربي بهذه الصورة التي استقرت في ذهن العربي أنّى كان في المشرق أم في المغرب.

ثم إنّ د. ضيف وسم كلاّ من أبي علي وابن جني بأنهما من النحاة البغداديين، وكيف يستقيم هذا وأبو علي نفسه يردد في مصنّفاته:"قياس أصحابنا كذا، وقياس البغداديين كذا" (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت