تدلّ الأمثلة على أن أسامة أهمل تحديد المصادر التي اختار منها مرويّاته، كما أهمل في أحايين أخرى اسم الرّاوي الذي نقل عنه. ولا تُضعف هذا الحُكْمَ تلك المواضعُ القليلةُ التي حدَّد فيها مصادره، كما فعل في إشارته إلى كتاب (الفرائد والقلائد) لأبي الحسن علي بن محمد الصّغانيّ (16) ، وهو مؤلِّف مجهول لا نعرف شيئًا عنه (17) . صحيح أن إهمال المصادر أضرَّ بقيمة (لباب الآداب) ، ولكنّ فضل أسامة باق، إذ حفظ لنا مرويّات ضاعت أصولها الأولى، كما هي حال مرويّاته عن كتب أبي الحسن المدائنيّ (135-225هـ) . كما حفظ لنا مرويّات أخرى نستطيع بشيء من الجهد تحديد مصادرها، وخصوصًا الشّعريّة منها. وهذه المرويّات تدلّ على أن أسامة لم يبذل الجهد نفسه في نسبة المرويّات الشعريّة إلى أصحابها الشعراء، مكتفيًا بقوله المعتاد: (قال آخر) أو (قال الشّاعر) (18) .
ثالثًا: يُخيَّل إليَّ أن أسامة بن منقذ استند في اختياراته إلى حاجة أبواب كتابه إلى مرويّات معيَّنة، ولم يستند إلى ذائقته الجماليّة، وكأنّ تحديده أبواب كتابه فرض عليه اختيار مرويّات تصلح لأداء المعنى الخاصّ بالباب. وهذا العمل إنْ دلَّ على شيء فإنه يدلّ على أن أسامة جمَّاعة أخبار وأشعار وأقوال، وعلى أنه كان يسعى إلى الإحاطة بما قيل في المعنى الذي يدور الباب حوله. والواضح بالنّسبة إليّ أنّ أسامة لم يُصنِّف ما جمعه، ولم يلجأ إلى أيّ نوع من أنواع التّرتيب، بل كان يحشد الآيات والأحاديث والأقوال والأشعار حشدًا، سواء أكان حشدها منطقيًَّا أم لم يكن. وقد توافر هذا المنطق أحيانًا، فبدت المرويّات معبِّرة عن جوانب المعنى، ولكنّ المنطق لم يكن له أثر في ترتيب المرويّات داخل أبواب الكتاب في الغالب الأعمّ، وهذا ما جعل المرويّات أكداسًا من الكلام المفيد تفتقر إلى منهج أو طريقة تجعل القارئ ينتقل في أثناء قراءته من عصر إلى آخر، أو من جانب من المعنى إلى جانب آخر.