وإذا كان التشكيك في عدد الأبيات التي حفظها أسامة مقبولًا (10) ، فإن قدرته على الحفظ واستدعاء ما يحفظه لا مجال للشّكّ فيها. فكتاب (لباب الآداب) يدلّ على أنه كان يعتمد على ذاكرته اعتمادًا كبيرًا. إذ كان يذكر الأحاديث والأبيات الشّعريّة كما حفظها، دون أن يكلِّف نفسه عناء مراجعتها في مظانّها. ومن ثَمَّ كثر لديه عدم تحديد أسماء الشّعراء (11) ، والاستشهاد بأحاديث ضعيفة (12) أو منسوبة إلى الرسول (( 13) ، وتكرار بعض ما سبق له ذكره في كتاب (الاعتبار) (14) ، وتداخُلُ أبياتٍ من قصيدةٍ بأبياتٍ من قصيدة أخرى للشّاعر نفسه (15) . وهذه كلّها صور من النّقص في لباب الآداب، تدلّ على اعتماد أسامة على ذاكرته. ولو لم يعتمد على هذه الذّاكرة لاتَّضح له الضّعف والتّداخل والتّكرار، ولما رأيته يقبل بذلك وهو الحريص على إفادة القارئ.
ثانيًا: إذا كان النّقص دليل اعتماد أسامة على ذاكرته، فإن كتاب لباب الآداب يضمّ مرويات كثيرة صحيحة، فكيف استوعبت ذاكرة أسامة هذا العدد الكبير من الأقوال والحكايات والقصائد والآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة؟. أعتقد أن أسامة لم يكن يعتمد على ذاكرته وحدها، بل كان يضيف إليها النَّسْخ من كتب الأدب والتّاريخ.
والملاحظ أنه لم يُحدّد المصادر التي نقل منها، اكتفاءً بذكر الرّواة والقائلين. وهذه أمثلة من لباب الآداب تُوضِّح ذلك:
-عن سليمان بن عيّاش قال... (ص91)
-قال مصعب الزّبيريّ:... (ص92، 95، 97، 99)
-عن عكرمة بن الأغرّ عن أبيه قال: ... (ص104) .
-قال الاسكندر:... (ص57)
-وقالت الحكماء:... (ص41، 70، 72)
-وقالوا:... (ص41، 42، 43، 48، 71)
-وقيل:... (ص44، 52)
-وقال الحكيم: ... (ص 54، 56، 58، 59، 60، 74)
-وقال آخر: ... (ص 54، 55)