وإذا كان اختيار المرء وافد عقله كما ذكر ابن عبد ربّه في (العقد الفريد) (4) ، فإن أسامة بن منقذ قدَّم اختياراتٍ تنمّ على ثقافته الدّينيّة والأدبيّة والفلسفيّة، بحيث أصبح (لباب الآداب) من أجود كتب الأدب وأحسنها (5) ، (غزير المادّة في الموضوعات التي رُتّبت في تلك الكتب السّبعة، يدلّ على اتّساع معرفة أسامة واطّلاعه على ما ورد عن الأقدمين من شعر ونثر، ومن مأثور قول وحكمة، إضافة إلى إعجاز القرآن وفنون البلاغة) (6) . بل إن (لباب الآداب) يُعدُّ من بين كتب أسامة الجياد، وهو يلي كتاب (الاعتبار) في الجودة والشّهرة (7) . وحين نُنعم النّظر فيه نلاحظ الآتي:
أوّلًا: تنمّ اختيارات أسامة في لباب الآداب على سعة مخزونه الثّقافيّ. فهو يحفظ القرآن الكريم وقدرًا كبيرًا من الأحاديث النّبويّة والأقوال المأثورة وقصائد الشّعر. وقد أشار القدماء إلى هذا الأمر، وخصوصًا ما يتعلّق بحفظه كثيرًا من الشّعر (8) ، من ذلك ما نقله الحافظ الذّهبيّ في (تاريخ الإسلام) عن الحافظ أبي سعد السّمعانيّ، قال: (قال لي أبو المظفَّر [يعني: أسامة] : أَحْفَظُ أكثر من عشرين ألْف بيت من شعر الجاهليّة) (9) .