فهرس الكتاب

الصفحة 19794 من 23694

وفي المجتمعات المدنية كبغداد لم تعد الأسمار وسرد الأخبار والنوادر والطرائف فيها مقتصرة على الطبقة العامة من الناس فقط، ولم تعد الشفاهية وسيلة سردها الوحيدة، فقد اهتم الخاصة بالأسمار وكانت لهم مجالسهم السمرية أيضًا، وأصبحت عملية تدوين ذلك الموروث من النوادر والأخبار من اهتمامات الطبقة الخاصة أيضًا. لذا نرى عناية ابن الجوزي بتدوين تلك الأخبار والنوادر في أكثر من كتاب إعلانًا بأن الأسمار وسرد النوادر والأخبار لم تعد شيئًا خاصًا بالعامة من الناس، بل للخاصة أيضًا، كالعلماء والقضاة والأمراء، ولم تعد الشفاهية وسيلة سرد تلك المادة السمرية، بل التدوين والتوثيق لتلك المادة.

ولقد وجد ابن الجوزي أن الإطار العام للتصنيف السردي لكتب النوادر والأخبار جاهز أمامه، قد وضعه سابقوه. فالحصري القيرواني مثلًا في كتابه:"جمع الجواهر في الملح والنوادر"قد رسم إطار التصنيف/ التبويب السردي بحيث يبدأ الكتاب بِبِسْمِ الله الرحمن الرحيم، ثم يضع الإطار العام لأبواب الكتاب السردية:"الحمد لله الذي أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، فعرفنا بلذة الفرح شدة الترح، وبحلاوة الحياة مرارة الوفاة..." (13) ثم يبيّن سبب تأليف الكتاب، ومنهجه فيه، ثم يبين أصول اختيار المادة، وشروط المسامر والمنادر، فالكتاب مدوّن للخاصة، ثم يسوّغ الحاجة إلى الهزل، وحاجة أهل الأدب إلى ظريف المضحكات، ثم يستطرد في ذكر مزاح النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يأتي إلى ذكر المادة السمرية من أخبار ونوادر وملح وأشعار موثَّقة ومنسوبة إلى مصادرها. ولم يفت الجامع أن يكمل الإطار السردي للكتاب بالإعلان عن نهاية الكتاب، والاعتذار عن النقص، ثم الصلاة والسلام على رسول الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت