فهرس الكتاب

الصفحة 19793 من 23694

حب السمر سمة بارزة من سمات الشخصية العربية قديمًا وحديثًا، شأنهم شأن غيرهم من الشعوب. فقد أَحَبَّ العرب، منذ العصر الجاهلي، المسامرات وولعوا بها. وارتبط السمر عندهم بشكل مباشر بمجالس القبيلة. ففي المجلس يتم تبادل الأخبار والنوادر والأشعار. ولعب الأعراب دورًا بارزًا في تقديم تلك المادة السمرية، وأصبحوا المحور الأساسي في تلك المجالس.

وكان السرد الشفاهي قاعدة نقل وتداول تلك المادة السمرية بين عامة الناس.

ومع تطور العمران وتبدل الأحوال وقيام الحواضر وانتشار المدن العربية وزيادة الترف والغنى زادت المجالس زيادة كبيرة، وزادت معها الحاجة إلى مادة سمرية لقضاء الوقت في جو من المرح. ولقد شهدت بغداد منذ نهاية القرن الثاني الهجري حتى القرن السادس الهجري، عصر ابن الجوزي، حياة ترف وبذخ وثراء وصلت حد الفحش، وكان من أبرز مظاهر تلك الحياة المترفة انتشار المجالس العامة والخاصة على حد سواء. فالعامة لهم مجالسهم ومادتهم السمرية، والخاصة لهم أيضًا مجالسهم الخاصة بهم، ولهم أسمارهم، سواء كانوا خلفاء أو وزراء أو كبار القادة العسكريين أو العلماء.

ولقد كُتِبَ لابن الجوزي أن يعيش في بغداد أغلب سني القرن السادس الهجري، وكان طبيعيًا أن يتأثر بتلك الحياة المدنية ذات الصبغة السمرية، فهي سمة عصره التي أثرت في جانب من جوانبه الشخصية والتأليفية بشكل ملحوظ. ولقد ساعد ابن الجوزي على ذلك أن أمامه تراثًا مدوّنًا من الأخبار والأسمار والنوادر والطرائف ككتب الجاحظ وكتاب:"جمع الجواهر"للحصري القيرواني، وكتاب"التطفيل"للخطيب البغدادي، وكتاب"نثر الدرر"للآبي وغيرها، مما فرض عليه السير في نفس الطريق، مع إضافة مادة سمرية معاصرة من مجتمعه إلى تلك المدوّنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت