وفي العصر العباسي زاد انفتاح الدول الإسلامية على الحضارات والشعوب الأخرى، كالفارسية والهندية وغيرها، ودخل كثير من أبناء هذه الشعوب الإسلام، وأصبحت المدن الإسلامية في العراق وغيرها تحوي مزيجًا من أبناء تلك الشعوب، كما زاد ثراء الدولة ونشطت الحركة الثقافية والأدبية والشعرية، وكثرت الفرق الإسلامية، واتسعت دائرة الحِجاج والمناظرة والجدل العقلي في كثير من المسائل الكلامية، مستفيدين بذلك من حركة الترجمة النشطة لكتب الفلسفة اليونانية. وفي هذا المحيط النشط المترف تنامى الأدب الساخر شعرًا ونثرًا. فظهر كثير من الشعراء الساخرين كبشار بن برد وحماد عجرد وأبي نواس وابن الرومي وغيرهم، وبرعوا في رسم صور شعرية ساخرة لخصومهم أشاعت جَوًَّا من المرح والهزل بين الجمهور. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية نشطت حركة النثر بمختلف أشكالها ولا سيما القَصص الفكاهي الذي أصبح السمة الغالبة لهذا العصر.
وإذا كان ابن المقفع (ت 142هـ) قد سخر وَتَفَكَّهَ بالعرب وببعض الشخصيات في عصره بشكل خفي، خشية بطشهم به، فإن الجاحظ فتح باب الأدب الساخر والقصص الفكاهي على مصراعيه، فوضع كثيرًا من الرسائل والكتب دَوَّن فيها كثيرًا من القَصص الفكاهي في عصره، كرسالة"التربيع والتدوير"، التي رسم فيها صورًا مضحكة لأحمد بن عبد الوهاب (11) . وكتابه القيم"البيان والتبيين"الذي دَوَّنَ فيه، بشكل موسوعي، كثيرًا من القصص الفكاهي للكثير من الشخصيات والنماذج النمطية والحقيقية، سواء كانت شخصيات حمقى ومغفلين، أو بخلاء وطفيليين، أو علماء ونحاة وفقهاء، أو غيرهم. أما كتابه"البخلاء"فقد حوى كثيرًا من قَصص البخلاء الفكاهي في عصره بأسلوب الازدواج القائم على توازن العبارات دون سجع.