وصدر ابن الشجري في نقده للمعنى وتنبيهه عليه عن ذوق أدبي رفيع سمْحٍ تجلى في سعيه لربط معنى صدر البيت بمعنى عجزه وإيجاد عُلْقة بينهما ليُحكِم إعرابه ويُظهر معناه، ومن ذلك أنه عقد الوصل بين شطري بيت المتنبي: ( [37] )
إِلامَ طَماعِيَةُ العاذل
إذ قال:"ظاهره أن معنى عجزه غير متعلق بمعنى صدره، وأين قوله في الظاهر: ... ولا رأيَ في الحبِّ للعاقل"
من قوله: ... ... ... ...
إلامَ طَماعِيةُ العاذِلِ
ويحتمل تعلقه به وجوهًا:
أحدها: أن يريد إلام يطمع عاذلي في إصغائي إلى قوله، والعاقل إذا أحب لم يبق له مع الحب رأي يصغي به إلى قول ناصح، فعذله غير مجد نفعًا.
والثاني: أن العاقل لا يرتئي في الحب فيقع به اختيارًا، وإنما يقع اضطرارًا، فلا معنى لعذله.
والثالث: أن العاقل ليس من رأيه أن يورط نفسه في الحب، وإنما ذلك من فعل الجاهل وعذل الجاهل أضْيَعُ من سراج في الشمس ( [38] ) ، فكيف يطمع في نزوعه" ( [39] ) ."
ظاهر مما سلف أن ابن الشجري اجتهد في الذود عن شعر أبي الطيب إعرابه وتفسيره، وتعلق بتخليصهما من الخطأ، وحرص على تقوية المعنى بقوة الإعراب وتخطئة الإعراب بضعف المعنى، حتى تداخلا عنده فلم يفصل بينهما، وعنف من لم يحسن توجيه شعره.
وربما كان لموقفه من أبي الطيب الأثر الكبير في ذلك، فقد تعصب له أيما تعصب، وأعجب به شديد إعجاب، وأحبه الحب الجم، فنال من كل من انتقده لأنه- في نظره- لا يأتيه الخطأ في معنى ولا لغة، قال:"وكل من خطأه في معنى أو كلمة لغوية فهو مخطئ" ( [40] ) ، وعده سيدًا ورئيسًا لعصره، واستصغر كل من لم يعرف له قدره وجلال منزلته فقال:"وإنما ذكرت لك طرفًا من عيون كلِمِه وبعضًا من فنون حكمه لأنبهك على جلال قدره وأعرفك أنه في الشعر نسيج وحده وقريع عصره، ومن صغر شأنه فقد أبان عن نقص في نفسه كثير" ( [41] ) .
ولا غرابة بعد ذلك أن يخصص له فصلًا من أماليه ينبه فيه على فضائله وغرر من حكمه. ( [42] )