فهرس الكتاب

الصفحة 19669 من 23694

أغنى ابن جني العربية وفتح بابها أمام الدارسين بكشفه عن جوانبها المضيئة، وأفادت الأجيال من علمه في الزمنين الغابر والحاضر، وابن الشجري ممن نهل من علمه ( [71] ) ، واعترض عليه في شرح أبيات المتنبي وإعرابها.

فمما انتقده فيه من جهة المعنى أنه فسر بيت أبي الطيب: ( [72] )

ويصْطَنعُ المعروفَ مبتدِئًا به

فقال:"معناه: يعطي معروفه المستحقين ومَنْ تزكو عنده الصَّنيعة، ويمنعه من كل ساقط إذا ذمَّ أحدًا فقد مدحه" ( [73] ) . ... كأنَّك ما صَغُرْتَ عن الهجاء" ( [76] ) "

فتعقبه ابن الشجري ورد عليه تفسيره فقال:"قوله:"إذا ذمَّ أحدًا فقد مدَحه"تفسير غير مرضي لأنه لا يخلو من أحد معنيين: أحدهما: أنه يُورِّي عن الذمِّ الصريح بكلام يشبه المدح، أو يريد أن يضع المدح الصريح موضع الذم، وليس يلحقه بهذين عيب، ولا يستحق أن يحرم بذلك معروفًا" ( [74] ) .

ثم شرح البيت مستدلًا بشعر أبي الطيب فقال:"والمعنى غير ما ذهب إليه أبو الفتح، وذلك أنه وصف الممدوح بالتيقظ ومعرفة ما يأتي وما يدَع، فيضع الصنائع في موضعها، فيعطي ذوي الأقدار قبل أن يسألوه، كما قيل:"السخيُّ مَنْ جاد بماله تبرُّعًا وكف عن أموال الناس تورُّعًا"، ويمنع ماله من كل دنيء، إذا ذمه الناس فقد مدحوه، أي: يقوم الذم له مقام المدح لغيره لدناءة عرضه ولؤم أصله، فالمعنى أنه يقِلُّ عن الذم، كما قال: ( [75] ) "

صغُرْتَ عن المديح فقلتَ أُهْجَى

وبعد أن سبر أغوار معنى البيت يمّم وجهه شطر الصناعة النحوية يسائلها ليثبت أن التقدير النحوي على تفسير ابن جني للبيت مُفْسِد للمعنى، فقال:"والذم من قوله:"مَنْ ذمُّه حمد"مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، فالتقدير مَنْ ذم الناس إياه، كما جاء ]لقد ظلمك بسؤال نعجتِك إلى نِعاجه [ ([77] ) ، والمعنى بسؤاله نعجتَك، وأبو الفتح ذهب إلى أن الذم مضاف إلى الفاعل، وأن المفعول به محذوف، ففسر على هذا التقدير فأفسد المعنى لأنه أراد مَنْ ذمه الناس حمد" ( [78] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت