أغنى ابن جني العربية وفتح بابها أمام الدارسين بكشفه عن جوانبها المضيئة، وأفادت الأجيال من علمه في الزمنين الغابر والحاضر، وابن الشجري ممن نهل من علمه ( [71] ) ، واعترض عليه في شرح أبيات المتنبي وإعرابها.
فمما انتقده فيه من جهة المعنى أنه فسر بيت أبي الطيب: ( [72] )
ويصْطَنعُ المعروفَ مبتدِئًا به
فقال:"معناه: يعطي معروفه المستحقين ومَنْ تزكو عنده الصَّنيعة، ويمنعه من كل ساقط إذا ذمَّ أحدًا فقد مدحه" ( [73] ) . ... كأنَّك ما صَغُرْتَ عن الهجاء" ( [76] ) "
فتعقبه ابن الشجري ورد عليه تفسيره فقال:"قوله:"إذا ذمَّ أحدًا فقد مدَحه"تفسير غير مرضي لأنه لا يخلو من أحد معنيين: أحدهما: أنه يُورِّي عن الذمِّ الصريح بكلام يشبه المدح، أو يريد أن يضع المدح الصريح موضع الذم، وليس يلحقه بهذين عيب، ولا يستحق أن يحرم بذلك معروفًا" ( [74] ) .
ثم شرح البيت مستدلًا بشعر أبي الطيب فقال:"والمعنى غير ما ذهب إليه أبو الفتح، وذلك أنه وصف الممدوح بالتيقظ ومعرفة ما يأتي وما يدَع، فيضع الصنائع في موضعها، فيعطي ذوي الأقدار قبل أن يسألوه، كما قيل:"السخيُّ مَنْ جاد بماله تبرُّعًا وكف عن أموال الناس تورُّعًا"، ويمنع ماله من كل دنيء، إذا ذمه الناس فقد مدحوه، أي: يقوم الذم له مقام المدح لغيره لدناءة عرضه ولؤم أصله، فالمعنى أنه يقِلُّ عن الذم، كما قال: ( [75] ) "
صغُرْتَ عن المديح فقلتَ أُهْجَى
وبعد أن سبر أغوار معنى البيت يمّم وجهه شطر الصناعة النحوية يسائلها ليثبت أن التقدير النحوي على تفسير ابن جني للبيت مُفْسِد للمعنى، فقال:"والذم من قوله:"مَنْ ذمُّه حمد"مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، فالتقدير مَنْ ذم الناس إياه، كما جاء ]لقد ظلمك بسؤال نعجتِك إلى نِعاجه [ ([77] ) ، والمعنى بسؤاله نعجتَك، وأبو الفتح ذهب إلى أن الذم مضاف إلى الفاعل، وأن المفعول به محذوف، ففسر على هذا التقدير فأفسد المعنى لأنه أراد مَنْ ذمه الناس حمد" ( [78] ) .