وبعد أن استقام له إعراب البيت وتقدير المحذوف منه فسر معناه فقال:"ومعنى البيت أنه بكى عند الفرقة وبكَيْن، فجزَيْن دمعه بدمع، فدعا لهن بألا يجْزينه بضناه ضنىً كما جزَيْنه بالدمع دمعًا" ( [51] ) .
والمعنى عنده هو الفيصل في تقدير الحذوف في الإعراب، فما يقتضيه المعنى يقدر وما لا يقتضيه فلا، ففي كلامه على بيت المتنبي ( [52] ) :
جرَّبْتُ من نار الهَوى ما تَنْطفي
قدر معمولًا للفعل"تنطفي"وعائدًا إلى"ما"الثانية، ثم قدر حذفين آخرين لأن المعنى يطلب هذه الحذوف ولا ينقضي إلا بها، فقال:"لأن تقدير معنى البيت: جربت من قوة نار الهوى انطفاء نار الغضا وكلولها عن إحراق ما تحرقه نار الهوى، لا بد من تقدير هذين المضافين القوة والإحراق لأن المعنى يقتضيهما" ( [53] ) . ... لها المنايا إلى أَرواحنا سُبُلا
ولا يأبه ابن الشجري بما يجوز في صناعة الإعراب إذا لم يستقم له المعنى الذي يطلبه المقام، فلا يجيز إضافة المصدر"مفارقة"في بيت أبي الطيب:
لولا مفارقةُ الأحباب ما وجدَتْ
إلى مفعوله ويذهب إلى أنه مضاف إلى فاعله متكئًا على معنى البيت، فيقول: "والمصدر الذي هو"مفارقة"مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة السؤال في قوله تعالى: ]لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه [ ([54] ) ، ولا يحسن أن تقدر: لولا مفارقة المحبين الأحباب، وإن كان ذلك جائزًا من طريق الإعراب ( [55] ) ، لأن المحب لا يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنية إلى روحه، وإنما هو مفارَق لا مفارِق" ( [56] ) . ... ويكونُ أكذبَ ما يكونُ ويُقْسمُ
وما لا يلزم لإقامة المعنى وتحصيل الفائدة حشْوٌ عند ابن الشجري، فلذلك عد"لها"في البيت السالف حشوًا، فقال: "وقوله:"لها"من الحشو الذي لا فائدة فيه لأن المعنى غير مفتقر إليه" ( [57] ) .
ولم يقصر اهتمامه على استقامة معنى المقام، وإنما التفت إلى المعنى الوظيفي للكلمة واستثمره في إعرابه.
2-المعنى الوظيفي: