فهرس الكتاب

الصفحة 19654 من 23694

وإذا كان الوقوف على معنى النص المعرب لازمة ليس منها بد فإنه في شعر أبي الطيب يبدو اشد لزومًا لأن شعره أكثر حاجة إلى فهم معناه منه إلى شيء آخر، وابن الشجري على دراية بهذه القضية، لذا حرص على تفسير كل بيت من أبيات المتنبي عرض لإعرابه، وجهد في إظهار المعنى الجليل الذي يخدم المقام الذي أنشد الشاعر فيه شعره، واختار التوجيه النحوي الذي يتعارف هو والمعنى ولا يتنافر.

وهو في إشاراته إلى المعنى لم يتعد أصناف المعنى الثلاثة التي يقوم عليها علم اللغة الحديث، وهي:

1-المعنى الاجتماعي (معنى المقام) : ويقصد به المعنى الذي يقتضيه المقام الذي قيل فيه الكلام.

2-المعنى الوظيفي: وهو المعنى الذي يعنى بوظيفة الكلمة على اختلاف أقسامها.

3-المعنى المعجمي: وهو المعنى الذي نجده في معاجم اللغة. ( [46] )

وسيجري الكلام فيما يلي على هذه الأصناف عند ابن الشجري ليظهر لنا مدى أخذه بها وربطها بالتوجيه النحوي عنده.

1-المعنى الاجتماعي (معنى المقام) :

أدرك ابن الشجري أن المقام الذي يرسل فيه الكلام مهم لدى الإعراب متمثلًا المقولة التي تقول:"لكل مقام مقال"، لذا اهتم بالمقام الذي اكتنف شعر أبي الطيب ونظر إليه، وقرن معنى البيت بإعرابه، وكثيرًا ما ذكر معناه بعد إعرابه، فقد تصدى لبيت المتنبي ( [47] ) :

لا تَجْزِني بضنىً بي بعدها بقرٌ

فعلَّق"بي"بصفة لـ"ضنىً"، وأعاد الهاد في"بعدها"على بقر ( [48] ) ، وأعرب"سكوبًا"بدلًا ودحض إعرابه حالًا مستندًا إلى المعنى فقال:"وإذا بطَل انتصاب"مسكوبًا"على الحال نصبته على البدل من"الدموع"، كأنه قال: تجزي مسكوبًا منها بمسكوب من دموعها، فحذف الجارَّيْن والمجرورين" ( [49] ) ، وكان قبل ذلك قدّر حذفًا في البيت مستأنسًا بمعنى المقام فقال:"وفي الكلام حذف، وذلك أنه أراد: لا تجزني بضنىً بي ضنىً بها، أي ضنىً يقع بها، فحذف ذلك للعلم به" ( [50] ) . ... نارُ الغَضا وتَكِلُّ عمّا تَحْرِقُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت