وهو إذ توسع في التوجيه الإعرابي، وطوّل في تعداده ومناقشته اهتدى بسنَن مَنْ قبله من النحويين، من أمثال أبي علي الفارسي ( [15] ) ، على أنه في صنيعه هذا لم يتعسف ولم يتمحل ولم يحمل شعر أبي الطيب ما لا يطيقه، ونثر بين يدي قارئه حُسْن بصيرة ودُرْبة مكينة في العربية وما حباه به الله من لطف تأتٍّ في التعليم، إذ توسعه في الإعراب كان لعناية شديدة بما نسميه اليوم بالنحو التطبيقي ولغاية تعليمية توخاها، وتتجلى هذه الغاية في الفقرة التالية.
2-النزعة التعليمية:
وقفنا في الفقرة السالفة على ركن من أركان منهج ابن الشجري في درس أبيات أبي الطيب، وهو توسعه في الأوجه الإعرابية، ورأينا أن غايته من هذا التوسع تعليمية، ويبدو هذه الغاية واضحة في أسلوبه في تناول أبيات أبي الطيب؛ إذ قدم بين يدي بحثه فيها أسئلة تكشف عن المواضيع التي يأتي السؤال من قبلها لتقريبها إلى الأذهان، فكان يسوق البيت ثم يثير أسئلة حوله من جهتي المعنى والإعراب، ثم يجيب عنها واحدًا واحدًا بيسر وتنظيم، ومن ذلك قوله بعد أن أنشد بيت أبي الطيب: ( [16] )
كبَّرْتَ حول ديارهم لما بدتْ
"وفيه ما يقتضي أسئلة، أولها: كيف قال: بدتْ منها الشموس، فذكر المشبَّه به دون المشبَّه، وأسقط أداة التشبيه؟ والثاني: كيف جمع الشمس وليس في العالم إلا شمس واحدة، وهل فعل ذلك أحدٌ من الشعراء القدماء قبله؟ والثالث: في أي شيء شبه هؤلاء الممدوحين بالشمس؟" ( [17] ) . ... لولا مخاطبتي إيَّاكَ لم ترَني
ثم أخذ يجيب عن هذه الأسئلة الواحد تِلْو الآخر بتؤدة ووضوح.
ومثل ذلك ما أثاره من الأسئلة الإعرابية التي يمكن أن ترد على بيت المتنبي: ( [18] )
كفى بجسمي نحولًا أنَّني رجلٌ