مخر ابن الشجري عُباب شعر المتنبي وقلب فيه فكره وأعاد نظره فيما يحتمله من الأوجه الإعرابية يرفده في ذلك أصالة نحوية، وثروة لغوية غزيرة، تمثلت في استشهاده بآيات الذكر الحكيم، وأشعار العرب وأقوالها، فإذا ما تصدى لإعراب شيء من شعر أبي الطيب ركب متن السهولة، وجفا التكلف، وحوم حول ما يقتضيه المعنى ويستلزمه حق الإعراب، وسرد ما بدا له من توجيهات نحوية، واستوفى الكلام عليها معددًا مستدلًا، وخير ما يقفنا على توسعه في الأوجه الإعرابية أن أسوق ضربًا منه، فقد أجاز في إعراب المصدر المؤول من بيت أبي الطيب ( [1] ) :
مُنَىً كنَّ لي أنَّ البياضَ خضابُ
الرفع والنصب فقال:"وقوله:"أنَّ البياض خضابُ"منقطع من أول البيت، وتحتمل"أنَّ"الرفع والنصب" ( [2] ) ، ثم سوغ وجه الرفع فقال:"فالرفع على إضمار مبتدأ" ( [3] ) ثم قدّر المبتدأ ناظرًا إلى معنى البيت التالي فقال:"كأنه قال: إحداهن أن البياض خضاب، أو أقدامهن أن البياض خضاب، لأنه قد أخبر بأن ذلك كله في أيام حداثته وريْعان شبيبته بقوله: ( [4] ) ... ... ... ..." ( [5] )
لياليَ عند البِيض فَوْداي فتنةٌ
ثم التفت إلى الكلام على وجه النصب فقال:"وأما النصب فعلى إضمار"تمنيتُ"لدلالة"مُنىً"عليه كما أُضمر"نتَّبع"في قوله تعالى: ]قُل بل مِلَّة إبراهيمَ [ ([6] ) " ( [7] ) ، ولم يقنع بما سمحت به قريحته فأثار اعتراضًا على تقدير فعل"تمنيت"وأجاب عنه فقال:"فإن قيل: إن التمني مما لم يثبت كالرجاء والطمع، فلا يقع على"أن"الثقيلة لأنها للتحقيق، فهي أشبه بأفعال اليقين، وإنما يقع التمني وما شاكله على"أَنْ"الخفيفة لأنها تخلص الفعل للاستقبال، فهي أشبه بالطمع والرجاء والتمني من حيث تعلقت هذه المعاني بما يتوقع، ومنه قول لبيد ( [8] ) : ... وهل أنا إلا من ريبعةَ أو مُضَرْ"
تمنَّى ابنتاي أن يعيش أبوهما