أما ثاني الأسباب فهو أنه لم يكن أمام الشعراء الأمويين من الأصول الفنية إلا التراث الجاهلي الذي جمع لهم أطرافًا منه اللغويون والنحويون؛ وهؤلاء كانوا متشددين في محافظتهم على السلفية والأصول الجاهلية. أَضِفْ إلى ذلك عاملًا آخر هو أَنَّ الفترة الزمنية التي عاش إبَّانها الشعراء الأمويون كانت قصيرة ومضطربة تنازعهم فيها تياران مختلفان: تيار القديم الذي يمثل استواء أساليبهم واكتمال خصائص فنّهم، وتيار الجديد الذي نزع إليه بعضهم وحاول إرساء أصول له، إلاَّ أَنَّ سيطرة القديم كانت غالبة ـ فالشعر القديم أساس ينبغي أَنْ يُنْظَر إليه نظرة احترام وتقديس. وهنا نصل إلى ثالث الأسباب وهو أن علماء اللغة والنحو والرواة في هذه الفترة المبكرة كانوا يفضلون الشعر الجاهلي ويدعون الشعراء إلى محاكاته والصوغ على شاكلته لغة ونحوًا ومبنى، بل إنَّ تفضيل القديم والتنويه به والدعوى إلى احتذائه كانت من أهم العوامل التي حفزت الشعراء على تعاقب العصور إلى الاتصال بالشعر الجاهلي وتمثل خصائصه الموضوعية والفنية، كما كانت من أهم الأسباب التي هيأت لاستمرار الجانب التقليدي في القصيدة العربية سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون والمعنى ( [12] ) ، وبذلك ظل للقصيدة القديمة جلالها واحترامها وموضوعها الذي لا يُفْرِقُ في الفحش إلا أحيانًا.