نقول هذا على الرغم من أن المبالغة في شرب الخمرة كانت من عوامل المباهاة وإظهار الغنى وعدم المبالاة بالإسراف في الإنفاق على شربها. وقد رأى العربي في الجاهلية في الخمرة مظهرًا للترف والفروسية والكرم. لكن الحياة في العصر العباسي تبدلت وتغيرت حتى لتكاد الصلة بالقديم تنقطع، يؤكد هذا ما تحدثنا عنه سابقًا من كثرة الجواري والغلمان، وانتشار شرب الخمرة وعقد المجالس والاهتمام بالغناء. ويذكر الراغب الأصفهاني ( [13] ) تعريفات للغناء تدل على أهميته وذيوعه وانتشاره، منها: أجود الغناء: ما أطربك وألهاك، أو أحزنك وأشجاك. وغناء بلا شراب كَنَحْلَةٍ بلا عطية، وهدية بلا نِيَّة ورعد بلا مطر، وشجر بلا ثمر، وقال الرشيد: النَّكْسُ الذي يشرب على غير سماع. وقال أبو نواس:
وليس الشرب إلا بالملاهي
من ذلك كله نجد أن معنى المجون لا يتناول الفحش وحده، وإنما يترادف أحيانًا مع مفهوم الظَّرْف والدعابة وسرعة البديهة. ومن دلالات المجون كذلك شرب الخمرة وسماع الغناء ونزعة التنوير وحرية الفرْد في أن يعيش كما يشاء في ظل حياة سياسية وعقلية انتابها الشك والقلق والإيمان والزهد، والاشمئزاز والثورة. فكان المجون ردَّ فعل على ذلك كُله، أو كان استجابة لنداء داخلي مرعب يضعف النفس فيدعوها إلى اللهو واللذة وإلى المجاهرة بذلك، ومن ثمة إلى ارتكاب الذنوب والآثام. ... بِسَمْتِ أبي ذَرٍّ وقلب أبي جَهْلِ...