وما دمنا نتحدث عن تيار المجون في العصر الأموي، فإنه من المفيد أَنْ نتساءل ما هي الأسباب التي لم تُتِحْ لهذا التيار أَنْ يتحول إلى اتجاه شعري كبير، كما هو واقع الحال في العصر العباسي؟ هذه الأسباب تعود إلى أَنَّ ما جدَّ على الحياة العربية في عصر الأمويين من المظاهر الحضارية لم يمس مختلف جوانبها ولا وصل إلى جميع أنحائها ولا أثَّر على القبائل جميعًا بحيث تتحول برمّتها من مجتمع بدوي بعاداته وتقاليده وقيمه إلى مجتمع متحضر مُنْبَتْ الصلة عن ماضيه، نقول هذا على الرغم من انتشار الغناء في الشام والحجاز، وظهور طبقة لاهية عابثة من الشعراء الغزليين الماديين وشعراء الخمرة كالأقيشر والوليد بن يزيد ومطيع وغيرهم، وعلى الرغم من وجود مظاهر تطور اجتماعي شهدتها بعض البيئات أَدَّتْ إليها ظروف تتصل بسياسة الدولة الأموية التي حاولت إبعاد الناس عن السياسة وشجعت الشباب على الإقبال على الملاهي، لكن ذلك لم يكن سوى انحرافات بسيطة، وكدرٍ طَفَا على سطح الحياة لم يتسرب إلى أعماقها، ولم يُشوه صورتها ومثلها العليا.