سمعْتُ نعيَّها صَمَّا صمامِ
وبلغت الثانية عشرة أبيات على روي (اللام المضموم) ومطلعها: ( [11] ) ... وإِبلاءُ جِسْمي في طلابك إبلالُ
خُلُوُّ فؤادي بالمودَّة إِخلالُ
ولسنا الآن في معرض ما يدل عليه هذا الشعر من إعزازه لأمّه وتقديره لها، ولا سيما إذا تذكرنا أن الشعر الجاهلي والإسلامي قد ندر من رثاء الأم، ولم يزد حجم أي مرثية فيها حتى عهد أبي العلاء على أبيات قليلة، ( [12] ) ولسنا ـ أيضًا ـ في معرض الحكم عليه فنيًا... ولكننا في معرض بيان الأثر العميق الذي تركه فقدها في نفسه، وكان ـ في صباه ـ قد فقد والده؛ ورثاه رثاء بديعًا ـ أيضًا ـ دل على شاعريته وثقافته في اقتفائه للشعر القديم. ( [13] ) ... فلا تسأل عن الخبر النَّبيثِ
وقد أَثَّر ذلك فيه حتى أقبل على قرارات فاصلة في حياته؛ فأقام في منزله بمعرة النعمان لا يبرحه إلا لضرورة ملحة في حياته أو حياة مجتمعه وبلدته... وسمّى نفسه (رَهين المحبسين: العمى والمنزل) ثم صيَّرها ثلاثة لقوله: ( [14] )
أراني في الثلاثة من سجوني
لفَقْدي ناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسد الخبيث
وظل كذلك ما يزيد على خمسة وأربعين عامًا حتى فارق الحياة؛ فضلًا عن أنه حَرَّم على نفسه أكل لحم الحيوان وما أنتجه، كما حَرَّم إيلامه... ولم يلبس من الثياب إلا الخشن، وزهد في ملذات الحياة من طعام ومشرب ومتع، ورغب عن الزواج ( [15] ) . ... من البلاد؛ وهذا داره الطَّبَسُ