فهرس الكتاب

الصفحة 19509 من 23694

ولعل حركة التأليف والبحث لم ترتق إلى الغاية المرجوة، فأبو العلاء لم يُقرأ حتى الساعة القراءة الأخيرة... فهو أثر غني كأثر (إيبلا) كلما تعمقنا في فهم ما قاله؛ واستجلينا وثباته الفكرية في الفن والحياة، وجرينا في حلباته، وارتشفنا ذوب روحه اكتشفنا أشياء وأشياء من إبداعاته... ولا سيما ما يتعلق بفلسفته الاجتماعية والدينية والفكرية، واختراعاته الفنية الفريدة. ( [7] )

فالمعري خاض معركة ضارية تجلّت باتجاهات شتى في حياته ابتداء من معاناته القاسية في طفولته حتى وفاته. فالطفل المبتلى بفقد البصر، وجهل المجتمع اختزن عقله كل قصة أو رأي سمعه في بيته أو من أيّ كان؛ ثم حفزته ثقافته وحَزْم رأيه على مواجهة ذلك كله فنشبت المعارك بينه وبين مجتمعه، أو بينه وبين معاصريه من أهل العلم والثقافة. ويبدو أنه قد أورث هذه المعارك الأجيال من بعده؛ إلى اليوم. ( [8] ) فهو ـ مثلًا ـ عانى في رحلته إلى بغداد سنة (398هـ) مشكلات شتى في الطريق إليها حكاها ياقوت الحموي وغيره؛ ثم أقام ببغداد سنة وسبعة أشهر، وكان دخوله إليها سنة (399هـ/1009م) ، وفيها تردّد على عدد من علمائها كشيخه (الربعي) ، ثم خرج منها إثر حادثة شهيرة له مع السيد الشريف المرتضى (علي بن الحسين بن موسى: 355-436هـ/966-1044م) ( [9] ) ... وقفل راجعًا إلى بلدته (معرة النعمان) ؛ وفي طريق عودته جاءهُ نَعْي أُمّه؛ ودفنت دون أن يشهد وداعها، وكانت أثيرة لديه فرثاها رثاء عجيبًا قلّ أن نُصادف نظيره عند غيره من الشعراء. فما إن بلغه الخبر حتى أرسل رسالة إلى خاله يبثه فيها شجوه وألمه لفقدها، ويعزيه عنها أختًا، ويعزي نفسه عنها أُمًّا. وهي رسالة طريفة فريدة جمعت بين الشعر والنثر والأمثال بنسيج فني محكم؛ وإذا كان لكل أجل كتاب فإن حزنه عليها كنعيم أهل الجنة كلما نفِد جُدِّد. ولهذا رثاها بقصيدتين بلغت الأولى أربعة وستين بيتًا على روي (الميم المكسور) ومطلعها: ( [10] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت