فالمعري شاعر فيلسوف بديع التصانيف كثيرها؛ دقيق اختيار عنواناتها المثيرة والملغزة، آية في حدة الذكاء والحفظ؛ إذ يسمع ما يقال للمرة الأولى فلا ينساه، أو يفسده بتقديم أو تأخير، أو إخلال بحرف... وحكي عنه أعاجيب في هذا الشأن... ولا نستبعد الكثير منها، لأن الله ـ سبحانه ـ عوَّضه البصيرة عن البصر... إذ أُصيب بالجدري في الثالثة من عمره، وفقَد بصره في الرابعة ـ على الأغلب ـ وإن قيل: فقده في الخامسة أو السابعة؛ وكان نحيل الجسم.
ولا شك في أن أبا العلاء ينتمي إلى بيت علم وأدب، وتقى ( [5] ) ؛ وقد ساعدته نشأته فيه؛ وما يعانيه من مشكلات ذاتية أن يشغف بالثقافة والعلم.. ففرض نفسه على الحياة فانقادت إليه؛ وشغل الناس في زمانه أكثر مما شغلوه، ولا زال يشغل الذهن البشري، والتاريخ الإنساني شرقًا وغربًا بصفته أديبًا عربيًا؛ وناقدًا فذًا من طراز خاص، ولغويًا قلَّ نظيره في حفظ لغة العرب، ومن ثم الاجتهاد فيها؛ فضلًا عن نظراته الدقيقة في الشعر والعروض، إذا أهملنا آراءه الفلسفية العميقة التي قرَّبته من حدود الفلاسفة. فهو يحمل خصائص الثقافة العربية بكل ملامحها، وإن تأثر ـ على نحو ما ـ ببعض جوانب الثقافة اليونانية.
ومن هنا علينا أن نقدمه للعالم باعتباره شخصية عربية تجاوزت آفاق المحلية برؤيته الكونية للوجود وللإنسان في شعره وكتبه المتعددة؛ لا أن نشيح الوجه عنه؛ جريًا وراء عقدة الخواجة والتغريب الثقافي. فإنتاجه الفني والأدبي والفكري ما زال يثير في ضمير كل حي واعٍ أنماطًا من التصور الفكري أو النقدي أو الفني أو الأدبي... ( [6] )