فسجونه الثلاثة جعلت ثورته عنيفة على الانحراف والزيغ والضلال الفكري والديني والاجتماعي، ومن ثم الأدبي واللغوي والفني، وقوَّت عنده رهافة الحس والمشاعر، وأذكت حدة الحافظة والتذكر والموازنة والمناظرة؛ فقامت البصيرة مقام البصر... وطفق يملي ما وعاه عقله من علم وثقافة، وأخبار وأشعار، وحديث وقرآن على كاتبه (علي بن عبد الله بن أبي هاشم) ( [16] ) ، ويراسله العلماء والكبراء، ويفد إليه شداة العلم والمعرفة والأدب، ويتتلمذون على يديه؛ عامتهم قبل خاصتهم؛ حتى صار بيته محجَّة لطلب المعرفة؛ ولهذا يقول: ( [17] )
يزوني القوم؛ هذا داره يَمَنٌ
فإذا كانت العزلة عند غيره انكفاءً على الذات، وانطواءً نفسيًا قاتلًا يؤدي بالمرء إلى خواء ثقافي، وأمراض جسدية ونفسية عديدة فإن عزلته كانت من نمط إبداعي وإنتاجي معرفي لا مثيل له. فهو حين استسلم طواعية لذاته ورؤيته الخاصة، ورهن نفسه لإرادته وسجونه فإنه لم يستسلم للحياة والأحياء والقدر؛ بل حقق انتصاره بهذه الإرادة الفولاذية، وبعقله الجبار، وبفلسفته الثرة؛ شهد له بهذا كثير ممن جاء بعده من تلاميذه كالخطيب التبريزي وغيره... وتعد الثقافة العربية والإسلامية من أبرز ما اتّصف به؛ فهو عالم بلغة العرب؛ وأخبارها وأنسابها وأيامها، وأشعارها... وكل ما يتصل بها من علوم وفنون؛ وله اجتهادات كثيرة ومثيرة فيها، وهو القائل:"والله ما أقول إلا ما قالته العرب؛ وما أظن أنها نطقت بشيء ولم أعرفه" ( [18] ) . ... وفي هول ما ألقى وما أَتوقَّعُ
وهو على دراية عظيمة في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، وفي علم القراءات خاصة... ومن هنا كانت معركته شديدة مع من يزعمون أنهم فقهاء زمانه أو قرّاء عصره.
ولعل هذا كله ينقلنا إلى ما نحن بصدده بادئين بتوضيح موجز لماهية الخيال.
ماهية الخيال:
إن ما تقدم بين أيدينا ـ على شدة إيجازه ـ يثبت لنا أن المعري جعل معركته في حياته ذات اتجاهين: