ولقد لاحظنا أنّ أفعال الكلام في الخطاب القرآني والحديث النبوي مؤسسة على ما يعرف بمنطق التأدب، والذي من آلياته، ألا يفرض المتكلم نفسه على المخاطب، وأن يجعله يختار ويتجلّى هذا المبدأ وخاصة في استعمال الاستفهام أو التمثيل لجعل المخاطب يبادر إلى الاقتناع مثلما تجلّى في سورة الرحمن التي لم يكن التكرار والاستفهام فيها إلاَّ من أجل تقويم السلوك الإنساني والوصول إلى مقصد إصلاح العقيدة. ونحن في هذا العصر نعيش إرباكًا في العقائد والمفاهيم وحاجتنا إلى إقناع غيرنا تقتضي أولًا وقبل كل شيء تأسيس خطابنا على منطق التأدب هذا، ولنا في أحاديث الرسول عبرة فيما كان يمثل به أو يضمر له، وهذا يعني أنّ الرسول كان يدرك أنّ الأقوال والأفعال التي كان يأتي بها كان يقدرها بحسب الفائدة التي تدرها على المخاطب، ولقد أكدّ ذلك مبدأ التصديق في أحاديثنا أي مطابقة القول للفعل، فما أحوجنا اليوم إلى هذا المبدأ عندما نتعامل مع الآخر، فيكون عملنا تصديقًا لكلامنا، وبهذا فقط يتأكّد التعاون فإذا أحسّ الآخر بمبدأ التعاون تواصل معنا، لأنّه لا يعقل منا كلامنا فحسب، بل يراقب سلوكاتنا، فإذا ما شعر بأنّ حقوقه مقدمة على حقوقنا وفق مبدأ الإخلاص تجرّد من أسباب الصراع والنزاع، وأسفر ذلك عن تحاور صادق ويكون الشعار التنافس في التخلق.