وقد يعمد عليه الصلاة والسلام إلى الشرح، وهو آلية حجاجية، يقوم على القاعدة الإخبارية ولكنّه يتميّز بكونه يسعى إلى الإفهام وتوضيح بعض الظواهر ضمنية كانت أم تصريحية. فالشرح إذن هو إجابة عن السؤال"لماذا"الذي يراود كل مخاطَب عندما يتلقّى خطابًا وخاصة إذا كان فعلًا توجيهيًا كالأمر والنهي، فيكون الشرح مطابقًا لمقتضى الحال؛ لأنّه قد يقدّم مخاطب ما شرحًا خاطئًا لا علاقة له بوضعية الخطاب وحال المستمع ومقامه لذلك نجد الرسول في أحاديثه يقدم الحجة بواسطة الشرح كقوله: [إذا صلّى أحدكم بالناس فليخفف (لماذا) فإنّ فيهم الضعيف والسقيم والكبير] (55) .
إنّ هذه النماذج وغيرها من الأشكال الحجاجية التي عرضنا بعضها من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام تدلّ على تفّهم لوضعية المخاطبين من حيث مستواهم الفكري، ووعيهم ودرجة اعتقادهم، وعلاقاتهم فيما بينهم إلى درجة أنّه بمجموع أحاديث الرسول نستطيع استنباط آليات لتصنيف الفئات الاجتماعية، وتحديد طبيعة الخطاب الذي يوجّه لهم.
إنّ سلطة الحديث النبوي تتجلّى في منطقيته وبراهينه التي تتشكّل منها بنيته اللغوية وليس في قانون الإخبار، على الرغم من أنّ عادة الخطابات التعليمية والإصلاحية والتي يتّجه فيها الإرسال من الأعلى (المعلّم) إلى الأدنى (المتعلّم) أن تتّخذ شكل الأفعال التوجيهية من أمر ونهي بالترغيب والترهيب.
إنّ دراستنا لطبيعة المقاطع الحجاجية في هذه الأحاديث تؤكّد أنّ الثقافة العربية الإسلامية أدرجتها في دائرة مغلقة وحكمت عليها بتنحيتها من دائرة الاتصال الأدبي الممتاز له أدبيته الخاصة ويمكن للمناهج المعاصرة أن تعتبرها نصوصًا موجّهة إلى العقول قبل القلوب أو القلوب التي تعقل في أحسن الأحوال. ولقد أسهمت هذه النصوص في زعزعة آفاق الانتظار الإيديولوجية واللغوية المتحجّرة، الأمر الذي يؤسس نظرية للتلقي والحوار ستعيد النظر في كل ما قيل عن الحديث النبوي.