وقد يلجأ الرسول عليه الصلاة والسلام إلى صياغة نماذج من أحاديثه تقوم على الموازنة بين متناقضين، مما يوقع المتلقي في إحراج عقلي بإظهار متناقضين أثناء عملية الاستدلال متساويين من حيث إسناد كلّ منهما إلى أساس سليم، فلا تبدو النتيجة خطأ، وإنّما يرجع إلى الطبيعة الجدلية لعملية الإدراك كقوله: [من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى] (53) حيث نلاحظ هنا مقدمتين متناقضتين تُفضيان إلى استنتاج فيه تناقض مفاده: لا يجب أن نحب الدنيا ولا يجب أن نحب الآخرة، لكنّه ( يوصل المتلقي إلى نتيجة يؤثر فيها الآخرة على الدنيا، والإيثار ليس تفضيل الواحدة على حساب الأخرى، ولكن جعل الأولى في خدمة الثانية، وهي دعوة إلى عدم التطرف والتزام مفهوم الوسطية. وهناك نماذج كثيرة في بنية الحديث النبوي الشريف كتلك القائمة على التقسيم، وهي الطريقة العلمية لمعرفة التصورات المجهولة كقوله: [إذا أراد الله بقوم خيرًا ولّى عليهم حلماءَهم، وقضى بينهم علماؤهم وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بقوم شرًا ولّى عليهم سفهاءهم، وقضى بينهم جهّالهم وجعل المال في بخلائهم] (54) فنلاحظ هنا كيف يسيطر قانون الشمول الذي يبرز إحاطته بمجاهل أساليب الحكم وتيسير الشعوب والتي لا تتعدّى أمرين اثنين: الخير أو الشر وأسبابهما، وهي حجة لا يمكن أن يردّها عاقل وتكون البنية الحجاجية كما يلي:
معطاة 1 + معطاة 2 + معطاة 3 + نتيجة 1.
معطاة 1 + معطاة 2 + معطاة 3 = نتيجة 2.