والأخلاق تبدأ حين يكون ثم موافقة أو عدم موافقة إقرارًا واستهجانًا) (14) . فاللوم مهمة أخلاقية، وليست مهمة العالم الذي عليه أن يثبت الصواب أو الخطأ عن طريق البرهنة أو التفنيد، والفنان أيضًا، إنما هو مستغرق في الجانب الجمالي لكنه لا يبرئ ولا يدين فهذه مهمة أخلاقية (15) .
ودعوى التوحيدي التزام تقديم البرهان والعيان تضيف تأكيدًا لمفاهيمه الأخلاقية، ويقول: (كيف يستحي من الحق وإن كان مرًا؟ أم كيف يعتذر عن الصدق وإن كان موجعًا؟... هذا ما لا يكلفه حكيم ولا يأمر به مرشد، ولا يحث عليه ناصح) . (16)
ومن هنا نجد أن الموقف الأخلاقي هو الذي يملي عليه، فكأن الضمير يدفعه دفعًا لإبراز هذه المفاهيم في تجسيداتها العيانية في أشخاص بعينهم.
ولما كان العقل عند مفكرنا يحظى بتقديره ويعترف له بأهميته فإن العقل أساس وركن يعول عليه، والدليل على قيمته عنده أن من فقده يسقط عنه التكليف، فالعقل أساس هام في الأخلاق والمعرفة الإنسانية فَبِه (يعرف الدين ويقوم الخلق، ويقتبس العلم، ويلتمس العمل الذي هو الزبدة، وقد يعدم العمل والعقل موجود، وقد يفقد الخلق والدين ثابت، فليس الأصل كالفرع، ولا الأول كالثاني، ولا العلّة كمجلوب العلة، ولا ماهو قائم كالجوهر كما هو دائر كالعرض) (17) . فبعد العقل يأتي الدين والخلق، والثلاثة دعائم العالم، وأركان الحياة، وأمهات الفضائل، وأصول مصالح الخلق في المعاش والمعاد وذلك (لأن الدين جُمّاع المراشد والمصالح، والخلق، نظام الخيرات والمنافع والعلم رباط الجميع) (18) .
والعلم مهم للدين، فَبِه يصح، ومهم أيضًا للخلق فبه يظهر، ولكن لابد من العمل للعلم لأنه به يكمل (19) ، فهنا تأكيد آخر على أهمية العمل.