وللعلم والعمل أهمية كبرى بعد العقل الذي هو الضرورة الكبرى، ويقدم مفكرنا صورة للمؤمن الفائز فيقول: (فمن سلم دينه من الشك واللحاء، وسوء الظن والمراء، وثبت على قاعدة التصديق، بمواد اليقين الذي أقر به البرهان، وطهر خلقه من دنس الملال، ولجاج الطمع، وهجنة البخل، وكان له من البشر نصيب، ومن الطلاقة حظ، ومن المساهلة موضع، وحظي بالعلم الذي هو حياة الميت، وحلى الحي، وكمال الإنسان فقد برز بكل فضل وبان بكل شرف، وخلا عن كل غبارة، وبرئ من كل معابة، وبلغ الخير الأشرف، وصار إلى الغاية القصوى) (20) .
فأخلاق المسلم إذن في تصوره إنما تقوم على التصديق بالعقائد أولًا، والاتصاف بصفات أخلاقية معينة (أو بفضائل) ، والتنحي عن أخرى (رذائل) نص عليها القرآن والسنة، فمن الرذائل مثلًا التي يجب التخلص منها والبعد عنها، دنس الملال، ولجاج الطمع، ومن الفضائل الواجب التحلي بها أن يكون له من البشر نصيب ومن المساهمة موضع، وأن يحظى بالعلم، ولكن الناس تتفاوت في هذه الخصال السالفة الذكر، أي تتفاوت في العقل، وفي الدين، وفي الخلق، وفي العلم، ومن هنا يأتي الذم والمدح، أو الاستهجان والاستحسان على قدر نصيب كل إنسان من هذه الأخلاق، والإنسان المجدود هو من (لاث الله بيافوخه الخير وعقد بناصيته البركة وجعل يده ينبوع الأفضال والجود، وعصم طباعه من الخساسة والدناءة، وكفاه عار البطالة والعتالة ونزهه عن الإسفاف والنذالة، وهذا كله ثمرة البصيرة الباقية، والنية الحسنة، والضمير المأمون، والغيب السليم، والعقد المؤرب، والحق، وإن كان مرًا، والأدب الحسن وإن كان شاقًا، والفاقة التي أصلها الطهارة، والطهارة التي أصلها النزاهة) (21) .