وإذا نظرنا في فكر التوحيدي، وجدنا مفكرنا قد اهتم بالأخلاق اهتمامًا بالغًا، وليس أدل على ذلك من تناوله لهذه المشكلة في معظم كتبه، حتى حظيت بأجزاء كبيرة منها، هذا بالإضافة إلى أنه في كتابه"رسالة في الأخلاق"، ربما كان يريد أن يبلور آراءه المتفرقة في بنية فكرية واحدة، والدليل على ذلك قوله: (وفي الأخلاق كلام واسع على غير ما وجدت كثيرًا من الحكماء يطيلون الخوض فيه، ويعوضون المرام منه بتأليف محرف عن المنهج المألوف ولو ساعد نشاط، والتأم عتاد، وقيض معين، وزال الهم بتعذر القوت لعلنا كنا نحرر في الأخلاق رسالة، واسطة بين الطويلة والقصيرة، يستفاد منها ما وضح لنا بالمشاهدة والعيان وبالنظر والاستنباط، ولكن دون ذلك أرق ثقيل، وعوق طويل، والله المستعان) (6) .
وكذلك يدرك التوحيدي ما في الموضوع من غموض وصعوبة (فأسرار الإنسان في أخلاقه كثيرة وخفية، وفيها بدائع لا تكاد تنتهي، وعجائب لا تنقضي) (7) ، وهو يربط بين الأخلاق والدين والعمل تأكيدًا على ارتباط هذه المفاهيم وارتكازها على محاور أساسية، ولذلك يقول: (ولو ميزنا الأخلاق بالشرح في هذا المكان للزم أيضًا أن يشرح الدين والعمل وجميع ما سلف اللفظ به وأتى الذكر عليه) (8) .
وعندما يكتب التوحيدي في الأخلاق فهو يستفيد ويجمع بين النظر والتأمل العقلي والمعرفي، وبين الخبرة المتصلة بالواقع الحي المعيش كشأنه في تناوله لشتى الموضوعات الأخرى، فهو يستند في تدليله على صحة آرائه بالجانبين سواء أكان ذلك على لسانه أو منسوبًا لغيره.
وفي (مثالب الوزيرين) يعرض التوحيدي مفاهيمه الأخلاقية، ولكنه لا يتعرض لذلك مباشرة، بل هو يعرض لهذه الموضوعات من خلال تناوله بالنقد للصاحب بن عباد، وابن العميد (الأب هو أبو الفضل ـ والابن هو أبو الفتح) . ويؤكد مفكرنا في كتابه هذا ما يأتي:
1 ـ أن كل إنسان من الممكن نقده من زاوية أخلاقية.