فقد يفهم الإنسان بعض مظاهر السلوك الغريزي عند الحيوان ولو كان صادرًا في قوالب صوتية، إلا أن هذه الأصوات تظل مبهمة إلا عند الإنسان الذي ألف مثل ذلك السلوك نتيجة معرفته السابقة بوضعية الحيوان ـ مصدر ذلك السلوك ـ من تلبية حاجاته، وهذا ما قصده أبو عثمان بقوله:"فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرًا من حاجاته ونفهم عن السنور كثيرًا من إرادته وكذلك الكلب والحمار والصبي الرضيع" (6) .
نعم، لقد أدرك الجاحظ قيمة الأصوات التي تعبر عن حاجات الحيوان والإنسان عفويًا وجمع بين صوت الصبي الرضيع، المتمثل في الصراخ الذي عدّه العلماء ظاهرة غير لغوية على الإطلاق، ولذلك فإن الأم التي تزعم أنها تعرف حاجات ابنها من صراخه قائم على معرفة سابقة بوضعه من تلبية حاجاته الفطرية.
وأما قول الجاحظ المتعلق بالأصوات التي يصدرها السنانير في قوله:"ثم أحص ما تسمعه وتتبعه وتوقف عنده فإنك ترى من عدد الحروف ما لو كان لها من الحاجات والعقول والاستطاعات ثم ألفتها لكانت لغة صالحة الموضع متوسطة الحال:"فإنه يؤخذ من باب التجوز" (7) ."
ويفصل الجاحظ القول في هذه المسألة حينما يفرق بين الإنسان والحيوان بما امتلك الأول من معرفة عقلية كانت سبب الاستطاعة وانعدام المعرفة عند الثاني.
"والفرق الذي هو الفرق إنما هو الاستطاعة والتمكين وفي وجود الاستطاعة وجود العقل والمعرفة" (8)
فالإنسان لم يمنح العقل دون سائر الخلق للاعتبار والتفكير، ولم يعط الاستطاعة إلا ليكون محجوجًا.
الهوامش:
(1) الحيوان، الجاحظ: تحقيق عبد السلام محمد هارون، مج5، ص 543.
(2) المرجع نفسه.
(3) المرجع نفسه.
(4) المرجع السابق ص 543/544
(5) الرؤية البيانية عند الجاحظ، إدريس بلمليح: ص 71.
(6) المرجع نفسه.
(7) حجج النبوة، الجاحظ ص135.
(8) المرجع نفسه.
(9) المسائل والجوابات في المعرفة، الجاحظ: ص 116.
(10) المرجع نفسه.
(11) المرجع نفسه.
(12) المرجع نفسه، ص 117.