"وسخر حناجرها (أي الحيوانات) له من ضروب النغم الموزونة والأصوات الملحنة، والمخارج الشجية، والأغاني المطربة، فقد يقال إن جميع أصواتها معدلة وموزونة موقعة (....) فبلغت بعفوها وبمقدار قوى فطرتها، من البديهة والارتجال... ما لا يقدر عليه حذاق رجال الرأي وفلاسفة علماء البشر" (2)
والملاحظ أن الجاحظ يجمع بين القيم الجمالية والقيم الطبيعية وفي ذلك إيحاء إلى أن الجمال كلما كان طبيعيًا كان أحسن.
إن الحيوان لا يملك الاستطاعة"لأنه لم يمنح العقل والتفكير" (3) ، ولكن أي عقل وأي تفكير يكون الجاحظ قصدهما؟...
لاشك أنهما المتعلقان بالإنسان، أما العقل والتفكير المؤديان إلى الإدراك الغريزي، فهما موجودان عند الحيوان، ذلك أن الحيوانات"لها منطق تتفاهم به حاجات بعضها إلى بعض، ولا حاجة بها أن يكون لها في منطقها فضل لا تحتاج إلى استعماله، ولذلك معانيها في مقدار حاجاتها" (4) .
وهذه الحاجات ليست فكرية كما هو الشأن عند الإنسان الذي يمتلك من الحاجات ما يضاهي به الحيوان، وما يتميز عن غيره به وصفه إنسانًا، ومن ثم فحاجة الإنسان غير حاجة الحيوان.
واقتراب الحيوان من الإنسان إن كان سببه"المشابهة والمشاكلة" (5) . فإن الحيوان نفسه يحمل قيمًا، يمكن أن تسهم في حياة الفرد بطريق مباشر وآخر غير مباشر:
أما الطريق المباشر: فهو عندما يكون الحيوان نفسه مصدر قيم فطرية ـ مادية ـ وخلقية وجمالية.
وأما الطريق غير المباشر، فهو ما يمكن أن يستنبط من حكم أصلها الحيوان.
ونتيجة لقيمة الحيوان ودوره في حياة الإنسان تكونت بينهما ألفة وكأن الأول منح منطقًا معينًا، والثاني أعطي قدرة على التبيين هي العقل.