مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 89 - السنة الثالثة والعشرون - آذار"مارس"2003 - محرم 1424
فهرس العدد
ولعل الجاحظ يكون قد هيأ لأبي نواس أجواء التدرج في القول الجمالي من النثر المقنع عقلًا، إلى الشعر المزكى وجدانيًا ولو استعان أبو نواس بشعر غيره ليفصل بين شقي القيمة المادية والروحي، وبذلك تكون طريقة أبي نواس غير طريقة الجاحظ في التأسيس للقيم، ومن ثم كان الاختلاف في جوهر القيم عند الرجلين.
والجاحظ كان قد أقام جدلًا من وحي مذهبه الاعتزالي حين ارتقى بفكره وهوى بفكر خصمه من خلال ما ذهب إليه أبو نواس نفسه، حينما عايرَ قيمه بميزان المادة دون الروح، على الرغم من أنه استعان بالقول الجمالي، وبذلك يكون الجاحظ قد هدم قولًا جميلًا بمنظور خصمه منحرفًا بمنظوره هو.
وينقلنا الجاحظ إلى قضية مهمة حين يبسط منظوره الطبيعي على القيم الجمالية فيقول:
"وقد علمنا أن من يقرض الشعر، ويتكلف الأسجاع، ويؤلف المزدوج ويتقدم في تحبير المنثور، وقد تعمق في المعاني وتكلف إقامة الوزن والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوًا رهوًا مع قلة لفظه وعدد هجائه أحمد أمرًا، وأحسن موقعًا من القلوب وأنفع للمستمعين من كثير خرج بالكد والعلاج، ولأن التقدم فيه وجمع النفس له، وحصر الفكر عليه لا يكون إلا ممن يحب السمعة ويهوى النفج والاستطالة، وليس بين حال المتنافسين، وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق وحجاز ضعيف." (1)
ولعل اتكاءه على المنظور الطبيعي جعله يرقى بالحيوان على الإنسان نفسه، من حيث الاستطاعة الحسية، إذ يقول مبرزًا ما يعجز عنه الإنسان ويقدر عنه الحيوان: