لقد كان الاتصال صفة من صفات الفيزياء الاتباعية التي سادت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ومازالت سائدة في المقياس الاعتيادي الإنساني بالنظر إلى الحواس والآلات التي تكمل الحواس. فالمكان فيها مطلق أوقليدي متصل والزمان مستقل عن المكان وهو متصل اتصالًا حقيقيًا ويجري جريًا منتظمًا متجانسًا إلى غير ذلك من صفات الفيزياء الاتباعية كالحتمية والموضوعية والواقعية والإيجابية وأمثالها. ونريد هنا أن نعرض قضيتي الاتصال والانفصال كيف برزتا كلتاهما للعلماء الغربيين الحديثين.
فقد اضطر العلماء منذ أوائل القرن التاسع عشر شيئًا فشيئًا إلى التخلي عن فكرة الاتصال في مجالات تجاربهم وتأملاتهم. غدوا يتصورون المادة تتألف من ذرات ولكن تصورهم كان مبهمًا اضطروا إليه اضطرارًا، بدت الأجسام لهم صنفين: أجسامًا مركبة يمكن تحليلها وتجزئتها إلى أجسام أبسط منها وأجسامًا بسيطة هي العناصر التي تقاوم التحليل وتقف دون التجزئة. ثم إن دراسة القوانين الكمية لاتحاد هذه العناصر البسيطة بعضها ببعض كقانون النسب المحدودة (بروست) (7) وقانون النسب المضاعفة (دالتون) (8) أفضت بالكيماويين إلى اعتبار الجسم المركب مؤلفًا من جزئيات، وكل جزيء من جزيئات الجسم المركب أيًا كان يتألف من أعداد تقابل أجزاءًا معينة من كل منهما، فهو يشف عن بنية منفصلة لتلك العناصر البسيطة.
ولما أتى العالم الإيطالي أفوغادرو اعتبر أن الجزيء الغرامي لجسم من الأجسام وهو الذي يشغل في الحالة الغازية حسب أحد قانوني غيلوساك (9) 22.4 لترًا في شرطي الحرارة والضغط النظاميين (درجة الصفر وضغط 76سم زئبقيًا) يتألف من عدد ثابت من الجزئيات الحقيقية أيًا كان نوع ذلك الجسم.