فهرس الكتاب

الصفحة 1911 من 23694

العالم النمساوي أرفين شرودنغر حين بحث أصول نظرية الجزء رأى أن التفكير الحديث في الجزء إنما هو وريث العلم اليوناني القديم. وهو في ذلك يرجع إلى ما قبل أبيقوروس ولوقريطس. يرجع إلى الفيلسوف اليوناني القديم طالس من مدينة ميلي أوميلتوس كانت في آسية الصغرى تشرف على بحر إيجي وهذا قد اطلع على العلم البابلي والعلم المصري القديمين وإلى أنكسمنس، مواطن طالس ومن مدرسته الفكرية الأيونية. انتبه هذا إلى بعض الظواهر الطبيعية واسترعى نظره التخلخل والتكاثف. استند أنكسمنسس إلى ملاحظة أن قطعة من المادة قد تأخذ الحالة الصلبة والسائلة والغازية (النارية كما يدعوها) وأن التبدل من حال إلى حال لا يتضمن تغيرًا في طبيعة المادة وإنما يتعلق بقضيةٍ هندسية. وذلك أن كمية تشغل حيّزًا يتسع شيئًا فشيئًا (وهذا هو التخلخل) أو يضيق وينضغط فتصبح كمية المادة في حجم أقل (وهذا هو التكاثف) . فالتبدل في خواص المادة أثناء التخلخل يعود إلى أن أجزاءها يتباعد بعضها من بعض بمسافات تزيد شيئًا فشيئًا. إنَّ الرياضيين في عصر أنكسمنس وهو القرن السادس قبل الميلاد كانوا يعتبرون الخط الهندسي مؤلفًا من نقاط. فإذا تصورنا الخط ماديًا وطفقنا نشده أفلا تتباعد نقاطه بعضها من بعض تاركة بينها فجوات أو ثغرات؟! فالشد لا يحدث نقاطًا جديدة. كذلك لا يمكن للنقاط التي يتألف منها الخط أن يشغل كل منها حيزًا أو مسافة أكبر. وأبسط وسيلة للخلاص من هذه الصعوبات اعتبار المادة تتألف من نقاط فردية أو من أجزاء صغيرة يتباعد بعضها من بعض حين يحصل التخلخل وتتقارب حين يقع التكاثف، وهي في غضون ذلك تبقى هي أنفسها دون أن تتبدل. فملاحظة التكاثف والتخلخل هي التي أوحت إلى الفلاسفة القدماء الطبيعيين اليونان في رأي شرودنغر بفكرة الجزء الذي لا يتجزأ أو بفكرة تألف المادة من الذرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت