وقد يطالعنا من وراء كل ذلك مشهد نادر ولكنه مهم. هو مشهد الهباء الخفيف الذي يمتنع على اللمس أو المس ولكنه يرى حين يرتجف في شعاع الشمس. هذا المشهد في رأي بشلار هو الحدس الحسي الأساسي الذي تستند إليه نظرية الجزء الذي لا يتجزأ. ذلك مشهد نتأمله فنحلم. إن حبة الهباء اللاعبة في النور توحي في اختلاف تلونها وتباين تشكلها بتعدد خواص الجزء الذي لا يتجزأ. إنها لا تلمس ولكنها ظاهرة للبصر. الغائب الخفي المستتر يلوح فجاءة للنظر. تبدو الغرفة خالية فارغة ما لبث النور يملؤها بسنا واحد متسق. وعندئذ لا يظهر في عن عالم مجهول. هذه عند بشلار هي التجربة الأولى لنظرية الجزء الذي لا يتجزأ. هنا يجد الفكر ما يستند به إلى حدس مباشر. يسعنا إذًا أن نفترض وجود مادة لا تقع تحت الحس إذ قد حسرت التجربة لنا عن أشياء دقيقة لم تكن مرئية. وهكذا يجوز أن نفرض وجود الجزء الذي لا يتجزأ وراء التجربة الحسية. إن حبة الهباء تسبح في الخلاء وكأنها تتبع في حركاتها هواها. تتأثر بالنفخ ولكنه تأثر مشحون بالانطلاق والحرية. فهي تصور في ذلك تصويرًا بديعًا ما ذكره أبيقوروس عند حرية الجزء وسماه لوقريطس بالحيد أو الانحراف Clinamen. ففي نظرية لوقريطس وأبيقوروس عن الجزء صفات هذه الحادثة. وهما يريان أن الأجزاء في انهمالها أو هطلها القديم تستطيع أن تحيد وتنحرف عن مواقعها ليتصل بعضها ببعض فتؤلف مختلف الأجسام التي نعرفها.