لقد جاءت حروب الردة، في زمن أبي بكر الصديق، تدريبًا لخالد، وصقلًا لموهبته القتالية، فقد تعلم من تلك الحروب الاستمرار في القتال دون أن يترك لأعدائه فرصة الانتظار والتحضير، والضغط المستمر على خصمه، وعدمَ إتاحة أي وقت حتى مجرد التفكير أو التصدي والردَّ على العدو بحزم وشدة بحيث يذيقه أشدَّ الضرر، ويسومه سوءَ العذاب، والحمايةَ لمؤخرة الجيش لأن القبائل التي كان يقاتلها خالد بن الوليد اعتادت حرب العصابات، ولا تزال تمارس هذا النوع من القتال، فكانت مجموعات الحماية من مهمتها: درءُ الأعراب المرتدين، ووقايةُ مؤخرة الجيش الإسلامي والأنساق الأخيرة، والانقضاضُ العنيف نحو مركز القيادة وقتل القائد، ويقتله يضطرب العدو وينهزم، كما حصل تمامًا عندما حمل خالد على مسيلمة بهجوم عاصف، فأدبر هاربًا حتى قتله، والحذرُ الشديد أثناء التقدم والاقترابُ من الأهداف، فكان لا يتقدم إلاّ باستطلاع وبثِّ العيون، وإرسالِ الدوريات والطلائع؛ كل ذلك حتى يأمن من المفاجأة، ومن الكمائن المنصوبة، ومن الغارات المفاجئة، والمطاردة أي التماس المباشر المتوازي والمتلاقي حتى لم يترك للعدو فرصة لإعادة تنظيمه، أو استكمال قوته، كما حدث مع قوات مالك بن نويرة، وكما حدث لقوات مسيلمة حين التجأت إلى حديقة الموت، فلم يغن عن هذا الالتجاء شيئًا، ولم يشفع لها انسحابُها من ساحة القتال.